يبدو ان الموقف الصيني في ازمة طائرة التجسس الامريكية والذي انتهى بتقديم امريكا اعتذاراً صريحاً الى بكين لم يحرج الادارة الامريكية وحسب بل احرج ايضاً دولاً عديدة في العالم وخاصة في الوطن العربي، حيث لم تقدر الكثير منها على قول «لا» صريحة للولايات المتحدة وسياستها المتعجرفة. والواقع ان اصرار الصين على اعتذار امريكا هو درس مهم، يجب على العرب وغيرهم الاستفادة منه، لتحطيم هذا التعالي وتلك الغطرسة التي تتبعهما واشنطن في تعاملها مع الآخرين، والتي في أحيان كثيرة لا تضعهم في حساباتها على الاطلاق. واذا كانت بكين حصلت على ما ارادت من خلال الاصرار والتحدي ورفض الغطرسة الامريكية، فاننا في العالم العربي احوج ما نكون الى هذه اللغة في التعامل مع الولايات المتحدة، لا سيما وان قضايانا المرتبطة بالسياسة الامريكية، أكبر كثيراً من ازمة طائرة تتجسس. فأمريكا اليوم تدعم السفاح شارون وهو يقتل ويدمر الشعب الفلسطيني، ولا تكتفي بذلك، بل تقدم له الغطاء والحماية من العقاب الدولي، وفي الوقت ذاته ترفض حق الشعب الفلسطيني الاعزل في طلب الحماية الدولية. وامريكا اليوم كذلك تحاصر العراق وتنتهك حرمة اراضيه شمالا وجنوبا، وتقصف المدنيين بالصواريخ دون اي مسوغ قانوني او تفويض من الامم المتحدة باعتبار انها فوق القانون. وامريكا ايضا لا تريد رفع العقوبات عن ليبيا والسودان، وتصر على ان تفرض سياستها على العالم العربي من شرقه الى غربه، حتى لو كانت هذه السياسة تمس السيادة الوطنية واستقلال هذه الدول. اذن ما احوجنا الى ان نتعلم من الدرس الصيني الذي رغم كل الضغوط والتهديدات والتلويح مرة بالعصا واخرى بالجزرة، لم يتراجع عن طلبه وحصل على ما أراد. إن قضايانا أكبر وأكثر جدية من حادث طائرة ومع هذا «ادمنا» قول نعم، واعتبرنا كلمة «لا» من المحرمات شرعاً، لانها تخالف توجهات السياسة الامريكية، وتعرضنا لعواقب نحن في غنى عنها. ان هذا هو الاستسلام بعينه، وتعبير واضح عن ضعف الارادة وعدم التمسك بأبسط الحقوق، وتفريط في امكانيات القوة الموجودة بين ايدينا، وهو ما جعل قضايانا عرضة للتلاعب من جانب الولايات المتحدة وبالتالي يجب على العرب ان يدخلوا فوراً المدرسة الصينية ليتعلموا الدرس جيداً.