أسامة شاب عربي طموح قدم الى هذا البلد منذ أيام بتأشيرة زيارة من قبل ابن عمه غسان الذي يعيش في هذا البلد منذ خمس عشرة سنة ويعمل صحفيا في احدى الجرائد المهمة. اسامة مهندس ديكور جاء وهو يعلم أو على الاقل هكذا يعتقد أن هذا البلد الداخل اليه لابد أن يجد محط رزق له ولكن الذكي وحده هو الذي يعرف من أين تؤتى الثروة والمال ليس كابن عمه الذي مازال يسعى سعي اللاهثين وراء لقمة العيش فبرغم ان له راتباً جيداً نسبيا الا ان الحياة غالية نوعا ما، فكل شيء متوفر لكنه يغري بالشراء، والشراء يجر الشراء، والسلعة تجر السلعة، وهكذا حتى يفيق الواحد منهم وقد أنفق راتبه كله على مجموعة مشتريات لازمة وغير لازمة واقساط لا تنتهي للسيارة ولسواها، لكن اسامة لن يكون كذلك، هكذا يخطط لن يكون كذلك لن يستسلم لن يكون موظفا كابن عمه لن يتزوج بسرعة ليفتح بيتاً ويعيل اسرة ويثقل كاهله بالالتزامات الاسرية التي تتبعها التزامات مالية. سيظل يبني نفسه شيئاً فشيئاً إلى ان يصبح كابن جيرانه في بلده أحمد ذلك الذي جاء الى هذا البلد موظفا بسيطا في احدى الدوائر الحكومية ثم تعرف على أحد اعيان البلد المترددين على الدائرة التي يعمل فيها وكان رجل أعمال كبيراً نشأت بينهما علاقة وطيدة تحولت بعد ذلك الى صداقة أخذت احمد ذلك الموظف البسيط الى الغنى والثراء منذ أن عيّنه ذلك الرجل الثري عنده موظف مبيعات يشرف على إحدى صالات عرض الاثاث التي يملكها فارتقى به الحال وتطور الى أن اصبح مديرا لشركة المفروشات العضو في مجموعة شركات ذلك الثري. واسامة لا يرى نفسه أقل من ذلك، فهو ليس أقل ذكاءً من أحمد وليس أقل مهارات وامكانيات بل افضل، إنه يملك صنعة رائجة في مثل هذه البلاد التي يحرص أكثر اهلها على اضفاء لمسات جمالية على منازلهم وفللهم التي بناها بعضهم عن طريق البنوك بقروض طويلة الأمد لا تنتهي وعلى ذلك يراهن اسامة، يراهن أن يجد وظيفة، أيّة وظيفة في أي جهة، ثم يجمع بعض المال من وظيفته تلك ويتعرف على أحد الشباب من المواطنين الذين يبيعون رخصاً تجارية أو يؤجرونها على سواهم فيفتح محلاً للديكور يكسب من ورائه ذهبا بعلاقاته الشخصية وعلاقات كفيله المواطن بسواه من المواطنين اصحاب الفلل الفخمة والمحلات الجديدة. وبعد جهد جهيد وركض في الشرق والغرب يجد اسامة وظيفة بسيطة في دائرة حكومية حيث عين نجاراً في قسم خاص يستفيد من خبراته في الديكور وبرغم ان الراتب قليل، الا ان اسامة اقبل على وظيفته بروح طامحة ترجو أن تجد فرصتها وكان له ذلك، فقد تعرف على مسئوله في العمل مصطفى وكان من المواطنين الذين كل اهتماماتهم وهواياتهم الحصول على رخص مهنية وتجارية وتأجيرها للوافدين، وشيئاً فشيئا تعرف اسامة على مصطفى وصارت بينهما، علاقة يومية داخل العمل وخارجه فأمسيا يلتقيان يوميا في ذلك المقهى على ناصية أحد الشوارع يدخنان الشيشة ويلعبان الورق حتى منتصف الليل ثم يعود كل منهما الى مأواه، واسامة مأواه سرير في غرفة فيها أربعة أسرّة في شقة بها ثلاث غرف وصالة وفي الثلاث غرف والصالة ما يقرب من أربعة عشر سريراً. وهكذا يعود اسامة الى سريره متعباً من السهر ثم ينام على عزف شخير زملائه في الغرفة ولكنه نوم المجهد في النهار الساهر حتى منتصف الليل. وهكذا استمرت حياة اسامة نجاراً في تلك الدائرة حتى اقنع مصطفى بأن يفتح معه محلاً وحصل له ذلك وفتح محلا من تحويشة سنتين من راتبه ولكن مصطفى لم يدخل معه شريكاً بل أجره رخصة من رخصه الكثيرة التي لا يعلم كيف يتابعها وهو موظف عمومي في دائرة يفترض أنه موظف فيها عليه واجبات. ولكن اللوم ليس عليه بل على من أتاح له فرصة الحصول على تلك الرخص الكثيرة ثم تركه يؤجرها على كل راغب وهو لا يدري أو لعله يدري بأنه يؤجر بذلك بلداً لا يحتمل التأجير أكثر من ذلك. المهم ان اسامة بدأ حياة جديدة معتمدا على مشروعه ذلك وحسب ان الامر هين وانه الوحيد الذي عرف لعبة الاعمال الحرة وانتظر كثيراً وعاش القلق كله ثم ماذا؟ لقد فشل المشروع فشلاً ذريعاً لأنه لم يدرك أن البلد مزروع بآلاف المحلات التي تزعم انها مختصة في الديكور وما يريد أن يقدم فيه اسامة فنه الذي تعلمه في كلية الفنون الجميلة في فن الديكور وجد مئات المحلات الشبيهة التي يديرها المئات من الجنسيات المختلفة ممن عرفوا اللعبة واتقنوا التقليد وباعوا المقلد من التصاميم بأرخص الاثمان ولا عجب فالذي يطمح اليه اسامة من ربح يوفر له مطامحه يرضى ذلك الآسيوي الذي كان ينام على الرصيف في بلده بأقل منه بكثير بل باللقمة يدخلها جوفه والنوم في غرفة مشتركة حقيرة وهكذا لم يجد أسامة فرصة لاقتحام سوق المنافسة فيه والعمل مستحيل وهو مملوء بالتقليد بلا تخطيط ولا شروط، فالكل يفتح ما شاء، أينما شاء وها هو أسامة يرحل عن البلد بعد أن اغلق المحل وفقد وظيفته قبل ذلك وسلم من السجن الذي كادت تجره عليه تلك الشيكات التي دفعها لاستئجار المحل لولا تسامح ذلك المالك المؤجر المواطن «بو محمد» الذي اكتفى من الغنيمة بافراغ المحل ليتمكن من تأجيره ثانية. ها هو اسامة يرحل ثانية إلى بلده ذاهباً الى المطار بتذكرة تدبرها له اقرباؤه وعلى رأسهم ابن عمه غسان وعيناه تقرآن اللافتات المتشابهة سوبرماركت سوبر ماركت صيدلية صيدلية محل خياطة الاول والثاني والثالث والعاشر ومحلات الديكور الكثيرة وفي ذهنه سؤال: ما هذا هل هم محتاجون الى كل هذا...؟ salzomr@hotmail.com