سيطر الإحساس بالنفي الدائم والرغبة في العودة على اليهود والجماعات اليهودية في معظم بلدان العالم، وأصبح هذا الإحساس مكوناً هاماً من مكونات الشخصية اليهودية، كما أصبح مكوناً هاماً من مكونات العقيدة الصهيونية، وصارت عقيدة المنفى والعودة إحدى المرتكزات الهامة والمحورية في الرؤية اليهودية إلى التاريخ والكون، كما تعددت الاجتهادات والتفسيرات لتلك العقيدة من قبل حاخامات الطوائف والمذاهب اليهودية. لذا كان من الطبيعي ان تنتشر في خطابات الجماعات اليهودية، وفي الثقافة السائدة داخل التجمعات اليهودية في أرجاء المسكونة، وكذلك في التجمع الصهيوني على أرض فلسطين، تعبيرات وكلمات مثل «المنفى» و«الشتات» و«الدياسبورا» و«العودة» فهي التعبير عن إحساس اليهود الدائم والأزلي بالنفي والرغبة المستمرة والمستديمة للعودة. وعن ذلك يقول د. عبد الوهاب المسيري في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية «إحساس اليهودي الدائم بالنفي ورغبته في العودة» «عبارة عن تبلور النموذج الكامن وراء كثير من الدراسات التي تتناول الجماعات اليهودية في العالم، إذ يتم رصد أعضاء الجماعات اليهودية وتحركاتهم وكأن عندهم إحساساً بالنفي الأزلي ورغبة دائمة في العودة، وكأن هذا الإحساس وهذه الرغبة هما جزء من جوهر يهودي ثابت ومن المكونات الأساسية لطبيعة اليهودي البشرية». ومع اليهود كل شئ مقدس، أو مغلف بالقداسة، فهم شعب الله المختار، وهم أيضاً الموعودون بأرض الميعاد .. أرض إسرائيل!! تعبئة من أجل العودة وانطلاقاً من ذلك فالنفي خاصية لليهود حينما يبتعدون عن أرض الميعاد، وهي علامة تميز أو عقاب حل عليهم بسبب غضب الإله، وبسبب تركهم طرق الرب. وهكذا تعددت التفسيرات. وعقيدة «المنفى» أو «الجالوت» أو «جولا» تشير إلى الجماعات اليهودية التي تعيش الشتات بين الشعوب الأخرى، وحسب المفهوم اليهودي والعقيدة التلمودية، فإن حالة الشتات تلك سوف تستمر حتى يعود الماشيح المخلص لشعب إسرائيل وعندها سوف يتجمعون على الأرض الموعودة. أرض فلسطين (إسرائيل). رؤية صهيونية ومن خلال ذلك المنظور طرحت الجماعات اليهودية الصهيونية رؤيتها للتاريخ من بوابة النفي القسري لليهود منذ هدم الهيكل في عام 597 ق.م على يد نبوختنصر، وعندها تم النفي الثاني إلى بابل ومن قبله حسب الرؤية اليهودية كان النفي الأول إلى مصر، وكان النفي الثالث إلى العالم كله. وفي كل الحالات كانت العودة إلى فلسطين. وهكذا صار النفي معلماً محورياً في تاريخ اليهود ووظفته الصهيونية كعقيدة وحركة في اتجاه حشد وتعبئة يهود الشتات العائشين في المنفى من أجل العودة إلى أرض الميعاد، حتى تحين لحظة الخلاص والتوبة، عندما يحين مجيء الماشيح المخلص. وهنا تحولت عقيدة النفي من عقاب إلهي وغضب رباني وتطلع ديني مجازي إلى عودة فعلية ومشروعات استيطانية وترحيل قسري لأصحاب الأرض من عرب فلسطين. كما ساهمت عقيدة النفي تلك في بلورة رؤية صهيونية للعالم، حيث صار مجرد مكان مؤقت حاضن بقسوة لليهود، قسوة ناتجة عن تعامل الأغيار مع اليهود كمعادين للسامية، وقسوة ناتجة من حالة الشتات في انتظار العودة، وعبر ذلك تم اضعاف إحساس الجماعات اليهودية بالزمان والمكان، بالتاريخ والجغرافيا في كل العالم باستثناء تاريخهم من المنفى للعودة، وجغرافيا الوطن الموعود. وهكذا أصبحت تلك القراءة العنصرية سبباً في هشاشة فكرة الولاء للأوطان الحاضنة لهم، وأصبح كل شئ مؤقتاً في عالم الشتات والنفي!! ويعبر عن ذلك بن جوريون عند وصفه ليهود الشتات، بأنهم «منفيو الروح، ويحيون بالجسد في المنفى». وهكذا تركت عقيدة النفي أثرها العميق على الوجدان اليهودي، وأصبحت جزءاً محورياً وفاعلاً رئيسياً في الثقافة السياسية للجماعات اليهودية والصهيونية في كثير من بلدان العالم حيث عاشت ومازالت تعيش تجمعاتهم. وهناك اعتقاد عند بعض الحاخامات بأن محاولات العودة الفردية دون انتظار الماشيح هي بمثابة هرطقات وتجديف، ويرى بعض آخر في الدعوة الصهيونية وحركتها تحدياً للإرادة الإلهية لأنها عودة دون الماشيح، جادل حاخامات آخرون وبالذات المستندون إلى التلمود ان هناك نصوصاً ومواقف تؤيد العمل على إنهاء المنفى والعودة. بل ذكر بعض الحاخامات بأن كل يهودي يتعين عليه العودة وإن لم يستطع فعليه ان يعين ويساعد في إرسال يهودي آخر. نوعان من العودة وعن ذلك يقول الحاخام يهودا القالي (1798 ـ 1878) وهو قبالي صوفي مؤمن بالحلولية في كراس من تأليفه تحت عنوان «اسمعي يا إسرائيل»: - « هناك نوعان من العودة: العودة الفردية والعودة الجماعية. العودة بشكل فردي تعني أنه على الإنسان ان يبتعد عن طرقه الشريرة الشخصية ويتوب، التوبة بهذه الطريقة مشروحة في كتب العبادات المتعلقة بتقاليدنا الدينية. هذا النوع من العودة يسمى العودة الفردية لأنه نسبي حسب حاجة الفرد. وتعني العودة الجماعية ان إسرائيل كلها يجب ان تعود إلى الأرض التي هي إرث آبائنا لاستلام الأمر الإلهي ولقبول نير السماء. وقد تنبأ بهذه العودة الجماعية كل الأنبياء، وبالرغم من عدم استحقاقنا، فالسماء ستساعدنا من أجل أسلافنا المقدسين، أمنيتنا الكبرى دون شك هي لم شمل منفيينا من أطراف العالم الأربعة كي يصيروا كتلة واحدة». أما الحاخام زفي هيرش كالشير (1795 ـ 1874) من بولونيا فقد ألف كتاب «السعي لصهيون» وقد قام بإصداره عام 1862، فيقول في تفسيره وشرحه لفكرة الخلاص عند النبي أشعيا (27:6، 12-13) «في المستقبل يتأصل يعقوب يزهر ويفرع إسرائيل ويملأون وجه المسكونة ثماراً .. ويكون في ذلك اليوم أن الرب يجني من مجرى النهر إلى وادي مصر. وأنتم تلقطون واحداً واحداً يا بني إسرائيل. ويكون في ذلك اليوم أنه يضرب ببوق عظيم فيأتي التائهون في أرض أشور والمنفيون في أرض مصر ويسجدون للرب في الجبل المقدس في أورشليم «إذن هكذا يبين لنا الله إن بني إسرائيل سوف لا يصعدون من المنفى كلهم معاً، إنما سيجتمعون بالتدريج، تماماً كما تجمع حبات القمح من السنابل».. لقد وجدت مؤازرة لهذا الرأي في كتاب دروب الإيمان (وهو كتاب عبادة كتبه الحاخام مئير ابن الدابي اليهودي الأسباني) «عندما يتطوع يهود كثيرون ورعون ومتعمقون في التوراة للذهاب إلى أرض إسرائيل والسكن في القدس، بدافع الرغبة للخدمة، ولروح الطهارة والقدسية، وعندما يذهب هؤلاء أفراداً وأزواجاً من أطراف الدنيا الأربعة وعندما يسكن هناك الكثيرون منهم وتتزايد صلواتهم على جبال القدس عندها فقط يسمح الله لهم ويسرع في يوم خلاصهم» وحتى يتحقق كل ذلك يجب ان يتم الاستيطان اليهودي في الأرض المقدسة. إذ كيف سيتم جمع الشمل دون هذا الاستيطان؟ هكذا تم توظيف فكرة المنفى والشتات لصالح استعمار واستيطان فلسطين من قبل الحاخامات الصهاينة المستندين إلى التوراة وشروحاتها، حيث ساهموا في تشكيل الوعي الجمعي ليهود الشتات في فترات متفاوتة. ولم تكن ذلك وجهة نظر الأصولية اليهودية ذات العقيدة الصهيونية، بل كانت وجهة نظر مفكر اجتماعي ألماني وصهيوني مثل موسى هس (1812 ـ 1875) عندما صرح في كتابه «روما والقدس» والصادر عام (1862): «عاش اليهود وكافحوا في بلدان العالم منذ ألفي سنة دون ان يختلطوا معهم حتى الصميم. لقد تبين لي ان العاطفة التي ظننت بأنني قد كبتها عادت إلى الحياة من جديد. إنها التفكير في وطنيتي التي ترتبط بتراث أسلافي وبالأرض المقدسة وبالمدينة الخالدة. إن منبع الإيمان المقدس هو في وحدة الحياة وموطن الأمل .. لقد تذكرت متألماً ولأول مرة منذ سنين عديدة بأنني أنتمي إلى شعب تعيس، منبوذ ومحتقر ومشتت. شعب لم يفلح العالم كله في تحطيمه .. هناك حقبتان تاريخيتان ميزتا تطور الشرائع اليهودية: الأولى بعد الانعتاق من مصر والثانية بعد العودة من بابل وستأتي الحقبة الثالثة مع الخلاص من المنفى الثالث». ولم يمنع ذلك من وجود صهيونية الدياسبورا والتي تعبر عن إيمانها ببعض الجوانب الثقافية والدينية من العقيدة الصهيونية، وتحاول صهيونية الدياسبورا المراوحة بين العقيدة الصهيونية وبين الأيديولوجية السياسية السائدة في المجتمعات الرأسمالية في الغرب الحاملة للفلسفة الليبرالية والعلمانية المبنية على الإيمان بالعقل وفصل الدين عن الدولة. ومن هنا فهم يرون بأن العقيدة الصهيونية لا تتعارض مع العقلانية ولا حركة الاستنارة اليهودية: الهسكلاة. فالصهيونية قومية ليبرالية تؤيد التعدد والتنوع. ويؤمن صهاينة الدياسبورا (الشتات) بأن وجود اليهود في المنفى حقيقة نهائية وأساسية وليس أمراً مؤقتاً. لذا فإن العودة أمر غير مطلوب أو مطروح، ومن هنا فالعلاقة بالوطن الموعود هي علاقة بمركز اليهود الثقافي الروحي. الشتات والانعزال مما سبق ينكشف لنا ان هناك ظاهرتين تاريخيتين لازمتا الوجود اليهودي منذ نشأته وتوظيفهما الأيديولوجي من قبل الحركة الصهيونية الحديثة قد شكلا مسار حركة الجماعات الصهيونية واليهودية وحركة الدولة التي جاءت لتجسد الوطن الموعود من الإله. هاتان الظاهرتان هما الشتات (الدياسبورا) والانعزال (الجيتو) وقد حكمت هاتان الظاهرتان في تفاعلهما قانون التأثير والتأثر، حيث أعطى كل منهما للآخر. وقد عبر عن ذلك تقرير اللجنة العقائدية في الأمانة العالمية للحركة الصهيونية الذي كتبه شلومو درخ: «إن الطابع الفريد والجاذب في إسرائيل لا يمكن في حقيقة كونها دولة من اليهود فحسب، بل في إنها دولة يهودية تتحلى بطابع يهودي في روحها ولغتها ومثلها العليا القومية منها والإنسانية، في كونها حاملة لاستمرارية التراث القومي الخلاق وكملجأ وملاذ من الأخطار الجسدية .. إن دولة إسرائيل لا توجد لأجل ذاتها فحسب، وليس لأجل أولئك اليهود الذين تجمعوا حتى الآن داخلها. بل هي توجد أيضاً لأجل الأمة كلها. إنها الضمانة لوحدة الشعب وبقائه وطبقات الشعب فيها قد اندمجت داخل حدود إسرائيل في كتلة واحدة. إن الدولة والدياسبورا متوافقان: فالتحديات الرئيسية التي تواجه الدولة في أيامنا هي: الأمن والسلام واستيطان الأرض والتوسع العددي السريع والإنماء الاقتصادي المعجل عن طريق استخدام العلم الحديث والتكنولوجيا العصرية. إن هذه التحديات تتطلب تعبئة كافة الموارد البشرية والاقتصادية، موارد القوة التي يجسدها الشعب في سبيل بناء صرح الدولة، مثلما تتطلب في المقام الأول الهجرة الجماعية خاصة هجرة الشباب وأصحاب المهن والمهارات. هكذا يتم التوظيف الأمثل لكافة الجماعات اليهودية واليهودية الصهيونية لصالح الوطن الموعود والمقدس بواسطة عقيدة صهيونية تضفر المفردات المقدسة وغير المقدسة في إطار بناء فكري وتناسق متنامي يعمل على حشد وتعبئة وتوعية تلك الجماعات اليهودية لصالح الوطن الموعود والماشيح المخلص!! ورغم تعدد جماعات ذلك الشتات من دياسبورا خرزية، ودياسبورا سامرية، ودياسبورا إسرائيلية، ودياسبورا صهيونية، إلا ان الكل في منفى وعلى الجميع العمل من أجل العودة أو المساعدة على ذلك. ويهمنا بعد ذلك ان نتناول بالتحليل أثر عقيدة المنفى والعودة على الثقافة السياسية الحاكمة لتلك التجمعات اليهودية الصهيونية بما فيها «إسرائيل». فاليهودي الفرد العائش في وطن ما من أوطان العالم حامل لفاعل محوري هي عقيدة المنفى والشتات، حيث تنتشر عقد الاضطهاد والعزلة وحب الذات والتعالي والدونية والانغلاق. ويعمل الشق الآخر من تلك العقيدة على سلب الجالوت، أو العمل على بث قيم الخلاص والتضحية والصبر والإيمان والقدرة على التحمل وكراهية الأغيار، وتكامل الأدوار والمهام، وانعدام أو ضعف الولاء للأوطان الحاضنة، وكل الولاء للحلم الخلاصي والنموذج التطهري الوطن المقدس والموعود .. وتؤدي هاتان المجموعتان من قيم المنفى، والعودة على تشكيل وعي فرد ووعي جماعة تنظر لنفسها أو ينظر لنفسه على أنه شخص مقدس ينتمي لفكرة مقدسة ويعمل من أجل مشروع مقدس، أما الآخرون الأغيار فهم في أقل توصيف أفراد وشعوب في مستوى أقل منه بكثير وهم من طائفة المدنسين الخطائين يحق عليهم اللعنة المادية والمعنوية. وبالإضافة إلى تلك القيم المحمولة داخل الجماعات اليهودية المتعددة، فيجب ان نضيف لها قيماً تأثرت بها بقدر ما تلك الجماعات من الأوطان والقوميات الحاضنة لهم نتجت عن موروث ثقافي وحضاري لأي أمة حاضنة، وأوضاع اقتصادية اجتماعية يمر بها الشعب الحاضن لتلك الجماعات اليهودية. لذا كان من الطبيعي ان تعمل الصهيونية كعقيدة على ان تكون بمثابة الإطار الجامع لكل تلك الروافد والاجتهادات والتفسيرات المتعددة، حتى لا يتم التعويق ولا تتسبب تلك الروافد المتضاربة في تعويق مسيرة الحلم بوطن موعود، وإنما يجب ان تكون وظيفة تلك الأيديولوجيا الصهيونية هي بمثابة الدافع والشاحذ لهمم اليهود وجماعتهم. وقد ساعدهم في ذلك تعيين الدولة الإسرائيلية على أرض فلسطين، مما أكسبهم مصداقية، وأكسب المشروع واقعية. وعن ذلك يقول بن جوريون في مقالة كتبها عام 1957 للكتاب السنوي لحكومة إسرائيل: «إن ما خلق دولة إسرائيل هو رؤيا الخلاص المسيحي المنتظر لدى شعب مشتت في سائر أنحاء العالم. لكن الدولة لم تحقق الرؤيا بعد، ومستقبلها رهن الوصول إلى هدفين نص عليهما إعلان الاستقلال، وجرى التوكيد عليهما في قانونين، يجب اعتبارهما بمثابة القوانين العليا للدولة .. وطالما ان هذين القانونين لم يتم تنفيذهما كلياً، فلا يمكننا اعتبار مهمة الدولة منجزة وعملها تاماً، والمقصود بالقانونين الأساسيين هما: قانونا العودة والتعليم. العودة والتعليم قانون العودة وغايته تجميع المنفيين، وقانون التعليم الحكومي الذي ترعاه الدولة في سبيل ومن أجل «ازدهار الثقافة اليهودية في الوطن الأم (إسرائيل)». «إن قانون العودة ليس مثل قوانين الهجرة سارية المفعول في البلدان الأخرى، إذ تنص تلك القوانين على الشروط التي تقبل الدولة بموجبها بعض طبقات المهاجرين من الخارج. بل إن قانون العودة هو قانون الديمومة التاريخية والاستمرار للصلة القائمة بين شعبنا وأرض إسرائيل. وهو يضع المبدأ الأساسي الذي تم بفضله إحياء دولة إسرائيل، كما سيعود إليه الفضل في بقائها ونموها وتحقيق رسالتها في الخلاص القومي». وللجماعات اليهودية في المنفى، أو الشتات تجارب تاريخية متعددة ومختلفة بسبب المكان والزمان. فمن المؤكد ان الجماعات اليهودية التي عاشت في أثيوبيا (الفلاشا) والتي مكثت في أثيوبيا مئات السنين حملت معها وتأثرت بقيم وحضارة وموروث الشعب الحبشي الأثيوبي، وهكذا أيضاً الجماعات اليهودية التي عاشت في شرق أوروبا (يهود اليديشية)، وكذلك الجماعات اليهودية التي عاشت بين مواطني الأمة العربية، والجماعات اليهودية التي عاشت في آسيا. كل تلك الجماعات التي أقامت في الشتات أخذت معها كثيراً من القيم والموروث الحضاري للشعوب والأمم والأوطان الحاضنة، وكذلك كانت هي الأخرى حاملة لمفاهيم ومعتقدات وموروث وتواريخ، ومن هنا كانت الأهمية القصوى للعقيدة الصهيونية، وكانت نفس الأهمية للربط بين اليهودية كدين والصهيونية كعقيدة قومية، حتى يتم صهر كل تلك القيم المحمولة والمتضاربة عن تلك الجماعات في إطار نسق متناغم إيجابي لصالح الوطن الموعود وشعب الله المختار. لكن تعدد تلك القيم والمواريث والتواريخ أصاب تلك الجماعات التي كانت في المنفى حسب الرؤية اليهودية وأصاب أيضاً المواطن الفرد بعيوب شديدة في مسلكه وطرائق تعبيره وطرائق تفاعله مع الآخرين، وقد ظهرت هذه التأثيرات جلية في مسلكيات التجمع الصهيوني على أرض فلسطين، كما ظهرت في كافة الأوطان والشعوب الحاضنة لهم على بقاع كثيرة من العالم. وكان ذلك طبيعياً ومتسقاً مع مفاهيم وفتاوى مقدسة وتفاسير توراتية ذات غرض صهيوني من قبيل «الإنسان اليهودي رغم انحطاطه المادي، ورغم كل الظروف التي تحيط به فهو أكثر سمواً من «الجوييم» غير اليهود لأن الله اصطفاه دون العالمين». وأن «اضطهاد اليهود عبر التاريخ هو إحدى علامات هذا الاصطفاء لأن اليهود هم «الشعب المختار» الذي تعلو إنسانيته على كافة البشر، كما يعلو تاريخه على تاريخ العالم أجمع، وقد سجل قيم التعالي والسمو هذه بوضوح، الكثير من قيادات اليهود الصهاينة مثل «ليوبنسكر» و«هرتزل» و«بن جوريون» و«نتانياهو» و«شيمون بيريز» وآخرين كثيرين. لذلك كانت مسلكياتهم في الواقع تعبيراً عن السيادية والوحشية والعنف والإرهاب، فهي الإفراز الطبيعي لكل تلك القيم والموروثات المحمولة داخل ذلك التجمع، ويكفي للتدليل على تلك المسلكيات ان نقرأ اعترافات نماذج من إرهابيين عنصريين صهاينة، قاموا هم بنشرها مثل: لافنر «مذكرات قاتل» ومن المعروف أنها اعترافات عضو عصابة شترن. وهناك ميشيل بارزوهاد في كتابه «المنتقمون .. دراما اليهود الجريئين الذين ينتقمون للستة ملايين يهودي الذين ماتوا» وكتابه الآخر الذي تفاخر فيه بعملية قتل العلماء الألمان في مصر تحت عنوان «اصطياد العلماء الألمان 1944 ـ 1970م» وكتاب جابوتنسكي المعنون بـ «قصة الفرقة اليهودية» وكتاب «دوف كوهين» تحت عنوان «غزو قلعة عكا» وكتاب «الأرجون» من تأليف بيجين، كما كتب «بن صهيون دينور: تاريخ الهاجاناه». وكتاب «فرانك جيرولد» تحت عنوان «العمل العظيم اغتيال اللورد موين» ومذكرات كل القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين. كثيرة هي الكتب والمذكرات التي يتفاخر فيها القادة بالعنصرية والوحشية والسادية والعنف والإرهاب. ويكشف تصريح «يوسشكين» أحد زعماء الصهيونية وذلك في عام 1903 عندما زار فلسطين عن عمق الصراع داخل تلك الجماعات اليهودية الصهيونية، عندما قال «هذه الخلية الإسرائيلية الحية سوف تنمو وتتطور .. غير ان المصيبة الكبرى هي في تكوين هذه الخلية من اليهود الاشكينازيين، والسفارديم، والمراكشيين والفارسيين، والجورجيين والنحاريين واليمنيين، وكل فئة منهم تناصب العداء لبعضها بعضاً». ويكشف قول آحاد هاعام مؤسس مدرسة الصهيونية الروحية «أن اليهودية إذ تخرج من أسوار الجيتو الانعزالية تتعرض إلى خسارة كيانها الأصلي» عن دعوة صريحة بالانغلاق على الموروث وعدم التفاعل مع الآخرين وما بالنا إذا كان الآخرون جوييم. إنها قيم العزلة والانغلاق والتصلب. إنها عقلية القبيلة غير المنطقية. الايديولوجية النازية وعلم النفس وعلم الاجتماع للسلوك الإنساني غير المنطقي يعطي تفسيراً لتلك الحالات الشاذة، وهي نفس الإجابة كما يقول د. ملاك جرجس في كتابه «سيكولوجية الاستراتيجية الصهيونية ومفهوم إسرائيل للسلام» الصادر عام 1981، التي تفسر منطق الأيديولوجية النازية، والتي تفسر منطق التفرقة العنصرية. تفكير أسطوري يرتبط بعقائد قبلية غير علمية تستخدم في تحقيقها أساليب حضرية علمية وعملية. و يكشف لنا أيضاً تصريح «يوري أفنيري» عن الصابرا - جيل الدولة الإسرائيلية عن الفرق بين جيل التنشئة الاصطناعية وأجيال الشتات والعودة فيقول: «إن الاختلاف بين الصهيوني والابن الإسرائيلي أكثر من مجرد اختلاف بين جيلين، إنه طفرة، إن الاختلاف في الحياة والطعام والطقس والتقاليد والشخصية والبيئة الاجتماعية تجعل الابن المولود في «إسرائيل» يختلف عن أبيه الذي ولد في «الجيتو». لقد أصبح الشاب الإسرائيلي في أوروبا أو أمريكا يألف ان يسمع هذه العبارة: «ولكنك لا تبدو كيهودي»، وهذه العبارة فيها نوع من الحقيقة. ان الصابرا اليهودي يختلف عن أجداده مثلما يختلف الإسرائيلي أو الأمريكي عن أجداده الإنجليز. إن الثقافة اليهودية التي خلقت في «الشتات» بواسطة أقلية دينية مضطهدة لا تجد صدى في نفوس الجيل الجديد الذي يبالغ في إظهار حريته. والدين اليهودي الذي يعتمد أساساً على التلمود، وهو نتاج «الشتات» تحول إلى شعارات حزبية فقط، أما التوراة، فلا تزيد عن كونها كتاباً في الأدب العبري ارتفعت مكانته وشعبيته في إسرائيل. وأخلاق هذا الجيل هي رد فعل قوي للضعف والاستكانة والمذلة، فهو جيل مشبع بفكرة الاعتماد على النفس، والتفوق، وعدم التعاطف مع الغير، ويكره الأغيار جداً، لا يؤمن إلا بالقوة للوصول لأهدافه. ويؤكد ذلك ان أحد شعارات الصابرا هو «وجود إسرائيل أو عدم وجود إسرائيل» إذن لا حلول وسطاً والسلام في مفهومهم هو سلام القوة والأمر الواقع وسلام الهيمنة وسلام إسرائيل على العرب أي سلام الصهيونية ومشروعها. إذن لا فرق بين يهود المنفى ويهود الصابرا، طالما كانت الأيديولوجية الصهيونية هي التي تعمل على التنشئة الاجتماعية الإسرائيلية، ولعل ذلك يجعلنا نتناول التعليم كأحد مفاعيل عملية التنشئة تلك. وأخيراً فلقد استطاعت الحركة الصهيونية بشقيها العلماني والديني ان توظف عقيدة المنفى والعودة لصالح فكرة الوطن الموعود عبر حشد وتعبئة الجماعات اليهودية في «المنفى» للاستيطان في أرض فلسطين العربية، كما استطاعت عبر الصهيونية ان تؤطر كافة القيم والمواريث والتواريخ المحمولة لديهم حتى لا تتعارض وتتضارب. ومن هنا ظهر مفهوم تكامل الأدوار وتكامل المهام في التجمع الصهيوني على أرض فلسطين. ـ كاتب مصري