غالباً عندما يجري التفتيش عن أدوات تجميعية عربية من خلال الأطر العربية الجامعة بشقيها الجهوي أو الإقليمي، ما يتصدر الشعار السياسي المجرد، أو المجوف إذا شئت في أغلب الأحيان، سلم أولويات الباحثين المتخصصين عن الخطط والبرامج الكفيلة بإخراج الواقع العربي المتداعي، ليشكل عقبة كأداء في وجه أي خطوة واقعية من شأنها أن تنهض بالأعباء وتتجاوز الهموم الكبرى التي تعيشها الأمة العربية برمتها بكل دولها المكونة دون استثناء. بحيث يبقى العمل العربي المشترك من خلال تقديم الشعار السياسي، ملحقاً هزيلاً على ما يعرف بسيادة الدولة الوطنية، الذي يبستر أو يجمد على أقل تقدير، ما يسمى بالمجالس الإقليمية العربية، ويضرب مصداقية العلاقات التكاملية المطروحة منذ عشرات السنين ولم تتوصل إلى هذه اللحظة في خلق آليات صحيحة تعتمد متابعة إنجاز ما قد يتفق عليه، والتي بالضرورة سترسي الأساس الصحيح والمناخ الملائم للتصالح السياسي وليس العكس من ذلك. وقد يكون من نافلة القول، أن التمترس خلف الشعار السياسي المرتكز هو الآخر إلى شعار أيديولوجي فضفاض، هو وحده الذي دفع بالدول العربية لأن تقيم علاقات متميزة مع دول الاتحاد الأوروبي والدول الأمريكية بشقيها الشمالي والجنوبي، أضف إلى ذلك دول جنوب شرق آسيا، بحيث افتقدتها حتى على مستوى العلاقة الثنائية بين دولتين عربيتين أو أكثر. وليس من قبيل المصادفة إذا ما اعتبرنا أن حالة الجفاء التي نشهد فصولها المأساوية، فيما يخص القيام بأي خطوة توحيدية أو تكاملية على المستوى الاقتصادي، ومنعت قيام قمم اقتصادية، كانت بسبب تقديم الهم السياسي باعتباره يقع في المرتبة الأولى، على العكس من كل الدول والتجمعات العالمية، وقلب المفاهيم العلمية العملياتية السائدة. خاصة إذا ما أدركنا بكل وضوح أن أوروبا، ذات القوميات المتباعدة والسياسات المتباينة، قد تجاوزت محنتها بتجاوز اختلافاتها السياسية، أي بالقفز عن المحددات السياسية الضيقة، وهذا الأمر بحد ذاته كان أحد الأسرار المهمة في التطور الكبير والمذهل الذي عرفته المبادلات البينية الأوروبية، حيث بلغت مستوى فريداً من نوعه، وأصبح حسب الإحصائيات الأوروبية ذاتها يتراوح ما بين 63 بالمئة و80 بالمئة من مجموع المبادلات التي ينتجها هذا التكتل على المستوى الداخلي. وقد عكس نفسه إيجابياً على آليات عمل هذا التكتل مع الخارج، حيث زادت حصتها عن 31 بالمئة في ما يخص الصادرات العالمية. لدرجة وصلنا إلى قناعة ليس نحن العرب وحسب، بل وباقي التكتلات الدولية، للاعتراف بأن الاتحاد الأوروبي، و سوقه المشتركة أو الموحدة، التي تضم 14 دولة عضوا بأنها القوة التجارية الأولى في العالم، حيث تقدر مساهمتها في المبادلات العالمية بشكل عام ما يقارب حوالي 46 بالمئة. ومن قبيل التذكير أن هذا النجاح الأوروبي المذهل، قد دفع دول نافتا المؤلفة من أكبر قوة عالمية وهي الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا إلى انتهاج نفس الخطوات والقفز عما يسمى بالعامل السياسي، رغم العولمة التي تبشر بها الولايات المتحدة، وتلزم بها دول العام الثالث خاصة الدول العربية والأفريقية وبعض الدول الآسيوية، وغيرها من التجمعات والتكتلات الإقليمية والقارية كدول جنوب شرق آسيا مضافا إليها استراليا ونيوزيلندا، ومنطقة السوق الأمريكية الجنوبية المشتركة التي تبدأ بالبرازيل والأرجنتين لتخترق البارجواي وتستقر بالارجواي. وهنا من الملاحظ أن هذه الدول والتكتلات التي أوردنا ذكرها قد تجاوزت أو بالاصح قد ارتقت، انطلاقاً من مصالح شعوبها والحاجة الماسة التي أملتها جملة الظروف المستجدة على المستوى الكوني، إلى أبعد مما يسمى بالارادات الوطنية، واعتبرت أن المصلحة الاقتصادية هي القاسم المشترك بين الدول المتجاورة، وشكلت تجمعات اقتصادية، لكل تجمع من هذه التجمعات شخصية مستقلة عن الشخصية أو الهوية التي يحملها التجمع الآخر. وهنا بدلاً من أن نخطو نحن العرب باتجاه سوق عربية موحدة تؤسس لما ننادي به على المستوى السياسي، في تأكيد الشعور القومي في التكامل والوحدة، باعتبار العمل المشترك هو الأداة للوصول إلى التكامل والوحدة وبناء النظام العربي وتعزيزه، تمترسنا خلف شعارات الوحدة باعتبارها هي أداة الحل والعقد أولاً وليس العكس، وأصبحنا ننطلق من مسميات وهمية تمثلت في يمينية ويسارية هذا النظام وذاك النظام، لنجد أنفسنا بعد ذلك قد تخلفنا جميعاً عن الركب، لا يربطنا سوى المشاريع والقرارات التي ملئت أدراج الجامعة العربية وغيرها دون فاعلية تذكر. وهذه الشعارات الفضفاضة جميعها بما في ذلك شعار الوحدة المنطلق من استحواذ الدول الكبرى على مقدرات الدول الصغرى، قد أسس إلى تعزيز النزعة القطرية وتكريس التجزئة بدلاً من العمل على التكامل الذي بدوره يرسي أسس الوحدة بشكل واقعي وخلاق. لكن أياً تكن النتائج فقد توصلت الأمة العربية شعوباً وحكومات ومؤسسات إلى حقيقة أصبحت بلا جدال غاية بالأهمية، تتمثل في ضرورة الخروج من حالة التكلس واسار الشعار السياسي الفضفاض كما أسلفنا القول إلى الشروع في تشكيل أو بناء منطقة التجارة العربية الحرة. وقد يكون اتخاذ قرار إقامة منطقة التجارة الحرة العربية خلال مؤتمر القمة العربية الذي عقد في 21/22 يونيو 1996 بالقاهرة، وتكليف المؤتمر للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية باتخاذ ما يلزم من إجراءات نحو الإسراع في إقامة المنطقة وفقاً لبرنامج أعمال وجدول زمني يتم الاتفاق عليهما، قد أسس أرضية للدورات اللاحقة للمجلس من أجل الانتقال من حيز الشعار إلى حيز الفعل المتنامي على الأرض. وقد تبدى ذلك بشكل عملي وخلاق كخطوة أولية في عمل مجلس التعاون الخليجي كإطار إقليمي عربي فاعل، بحيث أقر مؤخراً تحرير التبادل التجاري في ما بينها بمدة زمنية لا تتجاوز سنة 2005، وهذا الإقرار العربي العام هو الذي دفع برفع سوية التبادلات البينية من 8 بالمئة إلى 10 بالمئة. وبدأنا نشعر حقاً بسقوط وانهيار الذرائع ولو بشكل جزئي التي كانت تنادي أو تلوذ بما يسمى بالسيادة الوطنية التي ترتكز في كل ما تفكر به إلى الشعار السياسي كمدخل يتيم نحو بناء العلاقات العربية العربية، وهذا جاء بكل تأكيد انطلاقاً من النزوع نحو العولمة وتحرير التجارة الدولية، وهو ما فرض الانتقال إلى مستوى آخر غير الذي كنا نشهده في العقد الأخير من القرن الماضي، بالانتقال إلى شكل آخر في السياسة الاقتصادية والتي تؤسس أو تتجاوز الإطار الوطني الضيق، وهذا ما استشعرته الدول العظمى قبل الدول الصغيرة في ظل مرحلة ما يسمى بسيادة العولمة، حيث أصبحت التكتلات الاقتصادية حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى للحفاظ على أمنها خاصة الاجتماعي الاقتصادي أولاً، وديمومتها على المستوى الوطني والسياسي ثانياً. وهنا يجب التأكيد، بأنه إذا ما أردنا الخروج من إسار السياسي إلى بناء علاقات شراكة عربية تكاملية، تؤمن لنا حالة من التوازن على المستوى العالمي على ما يلي : أولاً: ضرورة الشروع في إقامة علاقات اقتصادية واسعة، ومحمية بجملة من القوانين النافذة البعيدة كل البعد عن الخلافات السياسية التكتيكية، التي كانت في ما مضى تشكل عقبة في وجه هذه العلاقات. وضرورة القناعة بأن العلاقات الاقتصادية وتبادل المنافع هي وحدها الكفيلة بالوصول إلى توحيد الرؤى بل والمواقف السياسية من أي مستجد طارئ قد نواجهه. ثانياً: تأصيل القناعة بأن السياسة بكل ألوانها ومسمياتها ومدارسها هي بالأساس تعبير حي عما يسمى بالاقتصاد المكثف، وليس العكس كما يحاول البعض العربي الرسمي من قلب المفاهيم، وأن وحدة المصالح الاقتصادية هي وحدها الكفيلة في التقريب ما بين الفئات الاجتماعية والبنى التحتية العربية، وهي وحدها التي تحد من تقلبات الأهواء والمطامح الشخصية التي تظهر عند هذا النظام السياسي أو ذاك. ثالثاً: ضرورة الاعتراف بأن أهم عائق كان ولا يزال يجابه آليات التقارب العربي المشترك على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، يتمثل في غياب المشاركة الشعبية الواسعة عن صنع القرار الاقتصادي السياسي. خاصة إذا ما علمنا بأن المشاركة الشعبية ممثلة بنخبها هي وحدها القادرة على إلزام النخب الحاكمة بضرورة الإيما ن بالعمل العربي المشترك، وبأهدافه النهائية الكبرى المتمثلة بالتكامل العربي، وليس التماثل الذي جعل العرب في أدنى درجات السلم العالمي. رابعاً: ضرورة القناعة التامة في استرجاع وجذب الأموال والثروات المرحلة إلى الخارج، لتساهم بالشكل المناسب والخلاق في حل مشاكل المديونيات العربية، بهدف إعطاء قوة الدفع الضرورية للارتفاع بالتجارة البينية العربية، سواء من خلال تمويل وضمان المبادلات أو في ما يخص المشاريع ذات الصلة، والتي بدأنا نشهد إحدى خطواتها الكبرى والتي تمثلت بالربط الكهربائي العربي وتأمين الطاقة،والتي ستخلق بدورها حالة من التوازي بين هياكل الإنتاج الكفيل بالوصول إلى مرحلة التكامل. خامساً: الإقرار بأن أبناء الأمة العربية بكل خبراتهم وتجاربهم، لا يقلون عن شعوب البلدان المتحضرة، وهم إذا ما قيض لهم القوانين والحماية، قادرون على الخروج من جملة الأزمات الاقتصادية التي تعصف بواقعهم، وهم يمتلكون قبل كل شيء القدرة العالية على استخدام آخر ما توصل إليه العلم والذي تمثل بثورة تبادل المعلومات، التي ترشد إدارة شؤون المجتمعات، وبالأخص منها الشؤون الاقتصادية. لكن تبقى المشكلة الكبرى بالسؤال الصعب، هل حقاً وصلت النخب الحاكمة إلى جملة هذه القناعات التي تؤسس إلى إرساء العمل العربي المشترك ؟ الإجابة ستكون بكل تأكيد في ذمة ما اتخذ من قرارات في إطار الجامعة العربية بما في ذلك قمة عمان العادية التي عقدت مؤخراً، وما سنشهده في هذا المضمار في الأيام المقبلة على المستوى الرسمي العربي بشكل عام. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق