ما هو وطن اليهودي الأمريكي: الولايات المتحدة أم اسرائيل؟ بمعنى.. أين تتجه بوصلة الولاء الوطني للمواطن الأمريكي اليهودي عندما يواجه موقفاً تتعارض فيه مصلحة الدولة الاسرائيلية مع مصلحة الدولة الأمريكية؟ قصة هذا الولاء المزدوج يتناولها كتاب صدر حديثاً بعنوان «هل هي خلافات مستعصية؟» وكون ان الكتاب صادر عن دار نشر أمريكية فإن هذا في حد ذاته مثير، لكن الأكثر اثارة ان المؤلف نفسه أمريكي يهودي. وكون ان ستيفن روزنتال أستاذ التاريخ في جامعة هارتفود العريقة فإن هذا مما يضيف إلى قيمة الكتاب. والسياق العام الذي يتناوله المؤلف هو ان ولاء يهود أمريكا لاسرائيل، رغم قوته العارمة حتى الآن، هو في حالة تراجع نسبي، وبرؤية تاريخية يحدد الكاتب البداية الزمنية لهذا التراجع النسبي بعقد الثمانينيات وبصورة أكثر تحديدا يأتي على ذكر حادثة الجاسوس الأمريكي اليهودي جوناثان بولارد. لقد اعتقل بولارد وحوكم بالسجن بعد إدانته قضائيا باستغلال وظيفته كمحلل في سلاح البحرية الأمريكية للحصول على معلومات سرية لحساب اسرائيل، وما ان انتشرت قصة الحادثة إعلاميا حتى فجرت ما اتضح انه تراكمات من استياء شعبي مكتوم بشأن ازدواجية الولاء الوطني لدى اليهود الأمريكيين. ومما يجتذب الانتباه ان الرئيس السابق بيل كلينتون عندما قرر في آخر أيام رئاسته عند مطلع العام الحالي اصدار عدد من القرارات بالعفو الرئاسي عن بعض المواطنين المدانين قضائيا تردد حيال اسم جوناثان بولارد قبل ان يرفض نهائيا شموله بالعفو، ورغم ان كلينتون خاطر باصدار عفو عن أمريكي يهودي آخر، مارك ريتش، مدان قضائيا في جرائم جنائية مخجلة، فإنه كان دون شك يدرك مدى شراسة ردة الفعل الشعبية فيما لو عفا عن بولارد، فمن منظور الرأي العام الأمريكي يعتبر بولارد خائناً، حيث انه قدم ولاءه لاسرائيل كيهودي على ولائه للولايات المتحدة كمواطن أمريكي. وبعد أن يتوقف المؤلف ملياً عند قصة بولارد والتفاصيل المتصلة بها فإنه يلاحظ ان قطاعات متنامية من الشعب الأمريكي ذي الأصول الاثنية والثقافية المتنوعة تتساءل حيال حقيقة ان اليهود الأمريكيين يقاومون بعناد الاندماج في البوتقة الثقافية العامة للمجتمع الأمريكي وكأنهم غرباء أجانب. ورغم ان المؤلف يتحاشى قدر المستطاع التنبؤ بمستقبل الأقلية اليهودية الأمريكية إلا انه يعطي تلميحات قوية بأن هذه الأقلية قد تصير بؤرة في يوم ما لاستياء شعبي متعاظم قد يتخذ شكلاً مكشوفاً بازدياد التناقضات بين المصالح الحيوية للولايات المتحدة كدولة عظمى ومصالح الدولة الاسرائيلية على الصعيد الخارجي. ان هذه التناقضات نراها الآن من خلال السياسة الأمريكية المتبعة فيما يتصل بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على دول أخرى. فهذه السياسة تطبق في منطقة الشرق الأوسط على الأقل على أساس اعتبارات أمن الدولة الاسرائيلية، حتى لو نشأت عنها أضرار لمصالح قومية حيوية للدولة الأمريكية. ولعل أقرب مثال هو العقوبات المفروضة على كل من ليبيا والعراق وإيران، فقد نتج عن هذه العقوبات حرمان لشركات النفط الأمريكية من استثمارات كبيرة في هذه الدول الثلاث التي تعتبر من أكبر منتجي النفط عالميا بينما تستأثر بالعقود الاستثمارية شركات من فرنسا وألمانيا وغيرهما. والمؤسف حقا ان الأنظمة العربية، عوضاً عن اتخاذ موقف جماعي باسم المصالح الحيوية العربية تجاه الولايات المتحدة على أساس الندية فإنها اجمالا تخاطب واشنطن من مواقف ضعف انفرادية.