ما أروع القضاء المصرى وأرفعه، فى بداية القرن حكم عبد العزيز فهمى باشا رئيس محكمة جنايات مصر بالبراءة على الشيخ عبد العزيز البشرى فى الدعوى التى أقامها أحمد باشا زيوار ، ضد الكاتب الساخر البشرى لأنه نشر مقالا اتهم فيه رئيس وزراء مصر بالخيانة ، وقال البشرى فى مقاله انه يجب محاكمة زيوار باشا بالخيانة ، ولكنه يحار أى جزء فيه يجب محاكمته ، هل يحاكم صدره ؟ هل يحاكم فخذه ؟ هل يحاكم بطنه ؟ خصوصا والباشا تحول فى الأيام الأخيرة إلى عدة أعضاء، وإلى مجموعة أشلاء ، ويجب اعفاء العضو الذى لم يشترك فى الخيانة من المحاكمة، وأن كنت أقطع البشرى الذى يقطع بأن العضو الوحيد الذى لم يشترك فى التهمة المنسوبة إلى رئيس الوزراء هو عقله . تصوروا بهذا الأسلوب كان يخاطب رئيس وزراء مصر منذ أكثر من ستين عاما ، وهكذا أيضا كان قضاة مصر العظام يحكمون ببراءة الكاتب الذى يوجه هذا الاتهام . ويوجهه لمن ؟ لدولة أحمد باشا زيوار رئيس وزراء مصر ، وما أدراك من هو أحمد باشا زيوار رئيس وزراء مصر فى ذلك الزمان ! حدث هذا فى بدايات القرن ، وفى منتصف القرن حكمت محكمة جنايات مصر برئاسة المستشار زكريا حذيفة ببراءة العبد لله فى الدعوى المقامة من رئيس مؤسسة السينما، وكنت قد اتهمت القائمين على المؤسسة بالسرقة وتبديد 8 ملايين جنيه . وفى بداية القرن الجديد حكمت محكمة جنايات مصر ببراءة مجموعة من الزملاء الصحفيين فى الدعوى المقامة ضدهم من الدكتور محمد عبد العال رئيس حزب العدالة ، هل سمعتم عن حزب العدالة من قبل ؟ ولا أنا ، ولكنه البخت المايل والحظ الهباب، أخونا عبد العال رئيس الحزب لجأ إلى القضاء ، طالبا الحكم على هؤلاء الصحفيين بالموت الزؤام ، وماذا تكون عقوبة من يجرؤ ويتجاسر ويسب عبد العال ؟ و من هو عبد العال ؟ أنه ليس من أحاد الناس ولكنه رئيس حزب العدالة ، وما هو حزب العدالة ؟ إنه زعيم الأغلبية والأقلية معا .وهو الذى قام بتحويل مجرى النيل وشيد السد العالى وهو الذى حفر قناة السويس ومد خطوط السكة الحديد لتربط بين القاهرة وكيبتاون ، حزب العدالة يا جدع .. فهل هناك من ينكر حزب العدالة ويجحد فضله ؟ والغريب أن حزب العدالة فى المعارضة ورئيسه دكتور من فصيلة «دكتور الحقنى، الحقنى يا أخويا الحقنى» فهل يعقل بعد هذا الحول والطول أن يأتى صحفى فى آخر الزمان ويصف سيدنا عبد العال بالثعبان الأقرع !؟ طيب ثعبان ورضينا . ولكن أقرع كمان مع أن كل شئ ظاهر ومكشوف للعيان ، فشعره أسود وطويل وكما الحرير على العيون يهفهف ويرجع يطير ! وهكذا لجأ عبد العال إلى المحكمة ، وكله ثقة بأن المحكمة ستزج بالمتهمين فى سجن تحت الأرض ولكن نقب عبد العال جاء على شونة سخر الله هيئة قضا ئية برئاسة المستشار علي الطاهر عوض وعضوية المستشار يس بكر منصور والمستشار ممدوح سليمان ، أصدرت المحكمة حكما تاريخيا ببراءة المتهمين من التهم المنسوبة إليهم ، وقالت المحكمة حيث انه من نافلة القول أن الصحافة تؤدى دورا اجتماعيا هاما فهى السبيل إلى إقامة وحدة معنوية بين أفراد المجتمع إذ يعلمون عن طريقها بالأمور التى تهمهم جميعا ، وعن طريقها يستطيع أفراد المجتمع العلم بالقيمة الحقيقية للأعمال التى تصدر ممن يتصدون لخدمة المجتمع فى المجالات المختلفة ، فيعرفون ما إذا كانت نافعة من الوجهة الاجتماعية أم ضارة ومن المقرر أيضا أن كل ما يدخل فى ميدان السياسة ومن يدخل فيها ، فالمناقشة والنقد لإعلام القراء وأفراد المجتمع بها ، حتى ولو استعملوا العبارات العنيفة والقاسية استعمالا لحق النقد المنصوص عليه فى صلب الدستور . ولذلك حكمت المحكمة ببراءة المتهمين الثلاثة مما اسند اليهم ، وحيث أنه بالنسبة للدعوة المدنية فإنه وقد توافرت لحق النقد شرائطه ، فإن الدعوى المدنية والحال كذلك تكون واجبة الرفض مع إلزام المدعي بالحق المدنى بمصاريف القضية من أتعاب المحاماه . وهكذا نزل الستار على القضية التى بقيت منظورة أمام المحاكم ثلاث سنوات كاملة . وانتهت ببراءة (المتهمين ) جميعا وخروج (عبعال) من المحكمة وهو فى الوضع .. مساء الكفالة ! ومنذ مائة عام تقريبا والقضاء المصرى العظيم يلقننا دروسا فى الحرية ويلفت نظر الذين يتصدون للعمل العام ، أن يتقبلوا النقد مهما كان قاسيا وعنيفا ، أما إذا أراد أحدهم أن ينجو بنفسه من هذا الشر ، فما عليه إلا أن يلزم داره ويغلق أبوابها ، فلا يرى أحد ولا يراه أحد . ولكنها كارثة كبرى أن نعيش إلى اليوم الذى نرى فيه (عبعال ) يضيق بالنقد ويخوض معركة حامية ضد منتقديه . ومن نجا من عظماء الأرض من انتقاد معاصريه ؟ تعرض مصطفى النحاس و جمال عبد الناصر لأعنف الحملات ومن يكون (عبعال) إلى جانب هذه الأهرامات . ويبقى بعد ذلك سؤال أوجهه إلى من يهمه الأمر ، ما جدوى هذه الاحزاب القشرة التى وجودها مثل عدمها ، بل لعل ، عدمها أفضل وما هو وزن حزب العدالة وحزب الحاج أحمد الصباحى وولده وحزب مصر إلى كل هذه الأحزاب القش التى يزدحم بها الشارع السياسى فى مصر ؟ وهل توجد حكمة وراء هذا الوضع ؟ وهل هناك أى حكمة فى أن يكون (عبعال) رئيسا لحزب مصرى ؟ ورأسه برأس مصطفى النحاس ومكرم عبيد ومحمود فهمى النقراشي، ولله فى خلقه شئون .. وعفوك ورضاك يارب!