البعض يختصر الوطن في حقيبة مستعدة دائما للسفر... والبعض يرى الوطن مجرد ارض وحديقة للنزهة فقط والبعض يعتبر الوطن مجرد خزينة بنكية لحفظ الأموال فقط. وحين يصبح الوطن مجرد حقيبة جاهزة للسفر دائما.. أو مجرد جواز سفر للمرور عبر البوابات الامنية في المطارات وقيمته لاتتعدى قيمة اوراق وعملات مختلفة الالوان والقيمة، يصبح هذا الوطن مجرد دفتر اوراقه مهلهلة عرضة للمحو من ذاكرة الزمن، ويمكن لحشرات الارض ان تعبث به وبمقدراته وتغييب ذاكرته والتشويش على اغلبيته التي تتخبط ما بين الجهل والمرض والخوف دائما من المستقبل، وعندها يكون الولاء لهذا الوطن هو الضحية الكبرى..! الولاء للوطن لا يولد بالضرورة مع الانسان ولا يكتب في شهادة ميلاده، ولكنه ينمو مع نمو الوليد وارتباطه بأرضه وقبور اجداده وبقايا عظامهم داخل هذه القبور. والولاء للوطن لاينمو في غياب العدالة وانتشار الظلم، ولايعيش مع اتساع التفاوت الاجتماعي. الولاء يضيع حينما تضيع الحقائق ويزيف التاريخ لصالح البعض ضد خصومهم الذين دائما ما يكونون شرفاء.. الولاء يضيع حينما ينقلب الهرم وتصبح قاعدته في القمة وقمته في القاع، والكارثة تكون اذا كانت القاعدة هي الثروة والقاع هم أهل الفكر والثقافة والعلماء.. عندها لابد أن يفقد الانسان حماسه للوطن ويفقد بعض ولائه له والنتيجة والحال هكذا هي الاحباط التام واليأس اللانهائي من أي امل، فيكون الهروب هو الملجأ الوحيد، واخطر الامور على نفس الانسان هي هروبه من وطنه أو من يأسه من الوطن واصلاحه حتى تختفي الايادي التي تخنق الوطن من داخله. والاخطر من هذا أو ذاك ان يخرج المزيفون ليؤكدوا لليائسين ان الوطن مستقر وآمن وهم يعلمون جيداً أنه وطن محبط وجامد ومتحجر ولا أمل في التطوير لان التطوير وإعادة الامل يكون في تجديد مياه البحيرة الراكدة. وعندما يكون الوطن بهذا الحال يصبح هناك من لديهم الاستعداد للرحيل دائما بحقائب سفر تضعهم في أي أرض تدفع لهم وينادونها الوطن.. ويصبح الوطن الام مجرد كلمة بلا معنى وبمرور السنوات يفقد الابن ومن ثم الحفيد معنى كلمة وطن.. فوطنه هو ذلك الذي وفر له لقمة عيش بلا ضغوط وسكناً بلا مقدمات ولطفله باصاً يحمله من امام البيت الى مقعده في المدرسة.. وحينما تنتهي السنة الدراسية يطلب من ابيه زيارة الوطن فيوافقه أبوه على شرط أن تكون الزيارة للنزهة فقط.