كذبة ابريل هذا المقلب الخفيف والثقيل احياناً انتشر في الدول العربية كغيره من البدع التي تأتينا من الغرب ونأخذ بها ونمارسها وكأنها عادة من عاداتنا. ولعل من اخترع هذه الكذبة كان هدفه الاساسي آنذاك هو الخروج عن المألوف في ذلك اليوم واضفاء روح النكتة والفكاهة على الحياة، وبالتالي التخفيف من حدة الملل والرتابة اللتين يعيش فيهما الانسان كل يوم. ويقال ان الفرنسيين هم أول من اخترع هذه الكذبة في هذا اليوم. وقبل الأول من شهر ابريل يبدأون في التحضير لهذه الكذبة وكل من لديه عزيز أو صديق يهييء له مقلباً «أو كذبة» يفاجئه بها في ذلك اليوم !! احياناً تكون خفيفة على الطرف الآخر لكن هناك من لا يتقبلها بروح طيبة وتكون ردة فعله عنيفة عندما يعرف آخر النهار انه كان ضحية مقلب، اما البعض فيتقبلها ببساطة ودون تعقيد ويعتبرها مزحة تبعده عن القلق والتوتر اليومي المعتاد. وهناك من يستعد لها لدرجة أنه يمكنه ان يتقبل خبراً صحيحاً مزعجاً بروح عالية لاعتقاده انه كذبة ابريل بل أكثر من ذلك تعدت كذبة ابريل دائرة الاصدقاء، واصبحت مادة اعلامية دسمة في الأول من ابريل. واذكر مثلا ان اطرف كذبة واصدقها هي التي نشرتها احدى صحفنا في اول ابريل عام 1977 عندما نشرت خبراً يقول ان الرئيس محمد انور السادات رئيس جمهورية مصر العربية قام بزيارة لاسرائيل وقامت بتكذيب الخبر في اليوم التالي باعتباره «كان كذبة ابريل» والطريف في الأمر، وكأنها تنبأت له اذ تمت هذه الزيارة فعلاً في العام نفسه في نوفمبر عام 1977! لكن لم يعد الهدف من كذبة ابريل في هذه الأيام كما كان اي اضفاء روح النكتة في هذا اليوم وجعله مميزاً بل اصبح لا طعم لها لأن الكذب اصبح منتشراً في حياتنا على مدار الساعة بل في كل دقيقة، هناك الكذب في السياسة والكذب في العلاقات الاجتماعية والكذب في الاقتصاد والتجارة، والكذب في حياتنا الاسرية. العالم كله أصبح يكذب ويخلق الأعذار لكذبه، نمارس الكذب كل يوم، للمجاملة! للتجميل! للاعلان والدعاية! حتى اننا لا نتذكر عدد مرات الكذب يوميا! يقولون مثلاً ان الدبلوماسي الذكي الناجح هو الذي يعرف كيف يكذب بشكل يصدقه الآخرون وعندما يتم اكتشاف كذبه، يقال انها دبلوماسية! وانه شخصية داهية يعرف كيف يستعمل الكلمات في كل المواقف وبأسلوب يقال عنه دبلوماسي! وهذا ما يحصل يوميا على مستوى كل دول العالم وزعمائها. هكذا اصبح الكذب جزءاً من حياتنا نتلقاه مع افطار الصباح وحتى آخر النهار، حتى أصبحت كذبة ابريل بحد ذاتها لا حاجة لها ومزحة لا داعي لها واصبحنا في حاجة الى يوم للصدق! لكن ماذا لو فكر العالم فعلاً بتحديد يوم للصدق!! يوم لا كذب فيه؟! يكون الكل صادقاً في كل تصرفاته ابتداءً من اول الصباح حتى آخر النهار، هل يمكن ذلك؟ اشك!!! اذ ان امكن ذلك في المنزل بين الاسرة الواحدة ولو حتى بين الاصدقاء فماذا عما يدور من حولنا يوميا على كوكبنا من مشارقه إلى مغاربه من صراعات ونزاعات بين الافراد والمجتمعات وكذلك بين الدول التي لا يمكن لها ان تعيش بالصدق وحده. ثم ماذا عن الأخبار المتضاربة والقادمة الينا من هنا وهناك عبر هذا الجهاز العجيب «التلفزيون» وقنواته الفضائية. هل يتحمل العالم الصدق في ظل هذه الأوضاع التي اصبحنا فيها لا نفرق بين الصدق والكذب فإن فعلنا ذلك فقد كذبنا!