الفراغ السياسي في الساحة السودانية الناشيء عن اضمحلال الحزب الشيوعي بدا واضحاً أكثر من أي وقت مضى مع استيلاء «الجبهة القومية الإسلامية» على السلطة في عام 1989. فلم يكن هناك تنظيم أيديولوجي للتصدي لمقاومة النظام الانقلابي كما جرى لنظام الفريق عبود في الفترة 1958 ـ 1964. هذا الفراغ السياسي قائم حتى اليوم لأن المثقفين الشماليين يحجمون عن إقامة تنظيم أيديولوجي على مستوى قومي يتحمل مسئولية الصدام مع النظام على غرار ما كان يفعل الحزب الشيوعي. وهذا العجز الفكري والنضالي هو الذي يدفع بقسم كبير من المثقفين الشماليين الى تأييد «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة جون قرنق، ولكن مع الحرص على الاحتفاظ بمسافة آمنة من الحركة ودون الانخراط معها في نشاطها القتالي الرامي الى إسقاط النظام الحاكم. ولا يتوقف هؤلاء المثقفون كثيراً عند الطروحات السياسية المتقلبة للحركة التي يختلط فيها الاستراتيجي بالتكتيكي والدعوة إلى «سودان جديد» متحرر من السيطرة الطائفية مع التحالف في الوقت نفسه بقيادة الطائفتين الكبيرتين. إنهم يكتفون فقط بأن الحركة تعمل على الاطاحة بالنظام دون أن يفكروا فيما يمكن أن يحدث بعد ذلك. إن هذا اعتراف ضمني بالعجز. فإزاء حالة الاقتتال بين الجيش الحكومي وقوات «الجيش الشعبي» التابع لحركة قرنق يقف هؤلاء المثقفون على بعد يشجعون جيش التمرد لفظياً دون أن يتوافر لديهم أي استعداد لركوب مخاطرة. والأمر عموماً لا يخلو من تفكير رغبوي. فهؤلاء المثقفون يقنعون أنفسهم بأن «الحركة الشعبية»، بعد أن تقضي على النظام الحاكم سوف تستعيد النظام الديمقراطي التعددي الذي كان سائداً قبل انقلاب 89. لكنهم، كما ذكرنا، لا يكلفون أنفسهم التوقف عند طروحات الحركة المتناقضة لفحصها بتجرد موضوعي. ولو فعلوا لما وجدوا أي مؤشرات قاطعة يمكن أن يستدل بها على أن قرنق يؤمن بالمذهب الديمقراطي إيماناً لا يتزعزع. على العكس... سوف يكتشفون إذا ما قرأوا ما وراء السطور أن جون قرنق يكره ممارسة الديمقراطية حتى داخل تنظيمه... فهو شخصية دموية استبدادية بالدرجة الأولى. ومشكلة معظم المثقفين السودانيين الشماليين في الحقيقة هي انهم يعزفون عن الانتماء الى أي تنظيم أيديولوجي ذي توجه نضالي صارم. فرغم التفافهم حول الحزب الشيوعي عندما جعل من نفسه رأس حربة للتصدي لنظام عبود فإنهم سرعان ما انفضوا من حوله، بل واجهوه بعداء سافر، بعد أن انجلت العاصفة بسقوط النظام. وموقف النخبة السودانية في هذا الصدد لا يختلف جوهرياً عن موقف القيادات الحزبية التقليدية. بدوافع العجز والإحباط عن مقارعة النظام الحالي دخلت هذه القيادات في تحالف مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وهي تمني نفسها بأن جيش قرنق سوف يعيد إليها السلطة المفقودة بعد أن يحقق الانتصار النهائي. ولا ندري على وجه الدقة إن كانت هذه القيادات تدرك أن البند الأساسي في «تحرير السودان» وفقا للمانفستو الأصلي للحركة الشعبية هو تصفية هذا القيادات التقليدية نفسها ونسف تنظيماتها.