ربما يكون الزمن الممتد من منتصف مارس الماضي حتى منتصف ابريل الحالي هو ـ بحق ـ شهر المرأة الكويتية، نصف المجتمع وأم كل الرجال وأختهم أيضاً. فقد توالت الندوات والاجتماعات التي تمحورت حول المرأة، والتي بدأت بندوة نظمتها كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الكويت حول المرأة، ثم تبعتها ندوة ذات مناشط متعددة، نظمتها مجموعة من النساء الكويتيات بمبادرة من المحامية كوثر الجوعان، ثم انتهت في آخر المطاف بندوة ممتازة ونشاط كثيف للجمعية الثقافية النسائية، أقدم جمعية أهلية للعمل النسائي في الكويت. والمرأة في الكويت واقعة في نقطة يتجاذبها لونان من الوعي: وعي يعرف أهمية دورها في المجتمع وفي التنمية وخطورة تركها في الظل والهامش... ووعي آخر ينظر إليها نظرة غير ذات بال، ويعتبر أن ما جاء به الأولون شيء لا يمكن زحزحته والتغلب عليه، فبقيت المرأة في نظر هذا الوعي وأصحابه مخلوقة غير مكتملة الأهلية، وإنساناً من الدرجة الثانية. وقد كان لي حظ في أن أراقب أو أساهم في بعض تلك النشاطات بشكل مباشر أو غير مباشر، واستمعت الى المُناصر والمسوّف، ولاحظت المتحمس والمشكك. والشيء المؤكد ان قضية المرأة سوف تظل تتصاعد في الأجندة العامة للكويت من الدفاع عن حقوق المرأة في المجتمع الكويتي بأشكال مختلفة، إلى مكانتها في المجتمع القادم. فالمجتمعات في هذا العالم الذي نعايشه من حولنا تنقسم الى قسمين كبيرين: قسم يحرم مواطنيه من الحقوق السياسية، وهي مجتمعات في سبيلها الى الانسحاب من الساحة، بعد أن أخذت تقل عدداً كل عام، ومجتمعات تتيح لمواطنيها المساهمة في النشاط السياسي. ومن هذه المجتمعات التي تعطي حق العمل السياسي للرجل وتحرم المرأة هذا الحق المجتمع الكويتي. دور مشهود من هنا جاءت المبادرة الكريمة من أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح متمثلة في إصدار مرسوم في الصيف قبل الماضي بإتاحة الفرصة للمرأة في الكويت بأن تقتسم مع شقيقها الرجل الإسهام في تحمل مسئولية الشأن السياسي العام، وأن يكون لها ـ مثل الرجل تماماً ـ الحق في الترشيح والانتخاب. ولكن مع الأسف فإن هذه الخطوة المتقدمة لم تنل مساندة أغلبية أعضاء البرلمان، فتعطلت بسبب صوت واحد، إلا أن تنامي الوعي بأهمية هذه الخطوة الحضارية يتنامى معه ويتوازى تيار الدفاع عن هذه الحقوق من منطلق حضاري وإنساني وواقعي، فقد كانت المرأة في الكويت هدفاً لرصاصات العدوان فيما بعد الثاني من أغسطس 1990 جنباً إلى جنب شقيقها الرجل، وهي بالتالي حري بها أن تساهم معه في تقدم صفوف الخدمة العامة وتشارك في صناعة مستقبل أبنائها ومجتمعها. ومن يتابع حركة المرأة الكويتية في الخدمة العامة منذ سنوات طويلة، يجد أنها لم تتقاعس عن أداء دورها تجاه المجتمع. وعندما تصافح وجوهاً من نساء المجتمع الكويتي تعرف كم هن قادرات على العطاء ومواصلة السير بكل إقدام واحترام وتصميم. الحديث عن دور المرأة في زماننا فرصة لاستعراض بعض الأوجه الناصعة لسيدات ما زلن يقدمن الكثير بعد مسيرة طويلة وتاريخية شاقة، والاستشهاد هنا بالبعض ممن نعرف، وقد يخفى علينا الكثير ممن لا نعرف من نساء رضين بالبقاء في الصفوف الخلفية، وقد قدمن حياتهن للعمل العام، في صمت، بعيداً عن الضوضاء والضجيج، وهي نماذج نستعرضها لنستشهد بها كدليل على عظمة المرأة، وليس للحصر. فقد التقيت سيدة فاضلة هي لولوة القطامي في دهاليز الندوة الفكرية التي عقدتها الجمعية الثقافية النسائية ومنتسباتها النشيطات، وهي سيدة أعرفها منذ زمن طويل، منذ أن كانت حانية على بناتها في جامعة الكويت تشد من أزرهن، مثلما كانت تصنع معهن قبل ذلك في التعليم العالي... لقد قدمت هذه السيدة حياتها كاملة غير منقوصة للخدمة العامة، ومن يقرأ كتابها «في بيت النوخذا» يتعرف على نوع التربية الذي كان سائداً في هذا القطاع الاجتماعي في ذلك الوقت المبكر، حيث تعلمت المرأة ممارسة حقها في الحرية وتحمل المسئولية، وهي تربية عصرية تأخذ من العصر جديده النافع وتنبذ منه المستجد الخادع، وقد بُنيت تلك التربية على تجربة إنسانية فريدة محورها أن النساء شقائق الرجال. ومن يقرأ ذلك الفيض المتدفق من الصور والتجارب يعرف على وجه الدقة كم كانت الرؤية واضحة وكم كان الهدف نبيلاً، فجاءت بفتاة قدمت كل عمرها للوطن والعمل الوطني الصالح، وما زالت تفعل. وإذا أردنا أن نلتفت الى مثال آخر فسنرى سيدة مثل منيرة المطوع كان كل جهدها في العقود الثلاثة الأخيرة مكرساً لفعل واحد إنساني وحضاري بالغ الدقة والرقي، هو العناية بالمعوقين، ويرى البعض نتاج عملها الدؤوب هي وزميلاتها دون كلل أو ملل أو شكوى أو تذمر... تفخر به وتقدمه لمن يريد ان يعرف كيف يكون عطاء المرأة لمجتمعها إذا لم تواجه عقبات تحول دون تفجير طاقاتها الابداعية. يحتضنها أبناؤها المعوقون في الجمعية وخارجها احتضان الأبناء لأمهم الرؤوم، فيثمن المرء هذا الجهد الكبير في زمن كان يمكن أن يأخذها وغيرها الى متع الدنيا وزخرفها، ولكنها عندما يذكر العمل التطوعي تكون دائماً هناك، وعندما يجول الفكر في أهمية هذا العمل يكبر القائمون عليه سنة بعد سنة وجيلاً بعد جيل. ... وخارج الحدود ولعلني أذكر هنا تجربة شخصية اشتركت فيها الاسبوع الماضي في مدينة دمشق، وكانت المناسبة هي توزيع الجوائز على مستحقيها في مسابقة أدبية على مستوى البلاد العربية، وكانت الجائزة هي جائزة مؤسسة سعاد الصباح الأدبية. أربعة من أبناء عدد من المدن الصغيرة في سوريا في عمر الورد لم يجدوا لهم مكاناً للنشر والتنفيس عن مكنوناتهم إلا من خلال الفوز بهذه الجائزة التي تتيح لأمثالهم نشر ما كتبوا، ولأول مرة في حياتهم في كتاب يضمونه الى صدورهم يحمل بين دفتيه إبداعاتهم الغضة. وبجانب الأربعة هناك آخرون كثر في عواصم العرب المنتشرة من نواكشوط الى عمّان، عشرات من البراعم الشابة التي تجد طريقها، ولأول مرة، في دروب النشر والإبداع. هذه من جملة نشاطات بعيدة عن الأنظار تقوم بها هذه السيدة، تسعد فيها عشرات الآلاف من القلوب الصغيرة الحالمة، وتفتح لهم باب الأمل. وتأتي جرائد الصباح في أحد أيام هذا الاسبوع، لتعلن أن السيدة غنيمة المرزوق قد فتحت باسمها مدرسة في كشمير لتعليم أبناء المسلمين هناك، في عاصمتها مظفر اباد، وهي مدرسة النور التي انشئت على قسمين، احدهما للبنين والآخر للبنات، وهي ربما تكون جزءاً من مشاريع أكبر تنجزها هذه السيدة في أماكن أخرى من هذا العالم المترامي. وعندما نتابع ما تقوم به الشيخة أمثال أحمد الجابر من عمل في مجال البيئة والأعمال التطوعية التي تتميز بالكفاءة والرقي، نتعرف على جهد نسائي آخر طويل النفس ومخلص تقوم به سيدة رأسمالها حبها للعمل الجاد وإصرار على التفاني في سبيل إسعاد الآخرين. وفي الجامعة تقود هذا الصرح الكبير والمهم امرأة منذ ثماني سنوات هي الدكتورة فايزة الخرافي، في مجتمع سريع التغير دائب التحول، وجمهور الجامعة من الشباب الذين يتأثرون بكل جديد ويطاوعون كل متغير، من الصعب أن يرضوا ومن السهل أن يغضبوا، ومع ذلك قادت هذه السيدة الفاضلة السفينة بثبات وثقة فاقا كل التوقعات. معين لا ينضب إن كنت قد ذكرت الصفوف الأمامية لعمل المرأة، فهناك صفوف خلفية طويلة ومتتابعة لا ينقطع أداؤها ولا ينضب، حيث تعمل المرأة الكويتية بمثابرة وجد، ولعلني اذكر هنا ـ دون استئذان ـ ما قامت به احدى سيدات الكويت وهي رقية الخميس ناظرة مدرسة قمت بزيارتها ضمن برنامج العاصمة الثقافية، وقد أدهشني ما وجدت، وكذلك أدهش اخواني زوار ذلك اليوم المفتوح، من عمل منظم ومتقن، فقد استطاعت هذه السيدة وبحب كبير ان تحول مدرستها الثانوية الى ورشة عمل حقيقية، تعاون فيها الجميع كي تنقل لطالباتها أهمية العمل التعاوني الجماعي البعيد عن الأنانية، وهي ربما واحدة من عشرات في مدارسنا الكثيرة التي تقوم بعملها في صمت بعيداً عن وسائل الاعلام. هذه بعض، وأشدد على «بعض» الأمثلة التي تكثر في مجالات العمل العام التي تقتحمها المرأة الكويتية، وفي يقيني ان هناك العشرات ممن لم أذكر، والآلاف ممن لم أعرف بعد، لكن المؤكد انهن يقمن بواجبهن الوطني في صمت وإصرار، كأم وناظرة وموظفة وطبيبة ومدرسة وممرضة وعاملة ومتطوعة. الحديث عن المستقبل ليس حديث افتراضات أو تخمينات، بل هو قراءة واعية للواقع اليوم، ثم مد الخطوط الراهنة على استقامتها، وليس أمامنا بدائل كثيرة غير إدماج حقيقي وصحي للمرأة الكويتية في مجال التنمية التي نبحث اليوم عن مصادر مستقلة ودائمة لها... وهل هناك أفضل وأكفأ من الإنسان إن أحسن تعليمه وأتقنت تربيته؟ إنه ليس شهر المرأة، بل هو زمانها... فهل نعي حقيقة زماننا؟!