بلال بن رباح.. وقع عليه الاختيار بالذات لكي يرفع الأذان لمسلمي المدينة المنورة.. اتصوره صحابياً جليلاً ومناضلاً من أوائل المهاجرين المؤمنين بيقين. يصعد ناظريه الى آفاق السماء.. ويتغشى وجهه الطيب الاسمر نور يضيء تقاطيعه ويجد في نبرات الدعوة الى الصلاة حلاوة لايكاد يعادلها سوى ذلك الشعور الهاديء المطمئن حين نطق الشهادتين لاول مرة في حياته التي كانت حافلة بالكدح والعذابات وبالأمل في الخلاص. لا ادري لم اتصور بقدر من التحليل والتأمل ان اختيار بلال بن رباح رضي الله عنه كي يدعو الناس لاول مرة في التاريخ الى ان يقفوا بين يدي الله سبحانه، كان اختيارا يدل على تقدير الاجادة في فن الاداء ومن باب الاجتهاد اكاد اقول ان صوت بلال.. بأصوله الافريقية الاولى.. كان مشحون النبرات بايقاع الشجن الوئيد الجليل الذي تتجلى في نغماته معاناة الانسان الطويلة منذ ايام الغابة والدغل ومنذ تأمل النهر والشجر بحثا عن مرفأ ترسو عند شاطئه نفوس البشر بعد ان يكون قد اضناها البحث الطويل الطويل عن بر الايمان. ولم يكن صدفة ان تتحول دعوة المسلمين الى الصلوات من مرحلة قرع الاجراس وهو صوت الجمادات في التحليل الاخير الى مرحلة رفع الاذان باستخدام الصوت البشري الذي يحمل الدعوة يرفدها فيض من مشاعر يلهج فيها القلب بنغمة التوحيد. من هنا يصطبغ الاذان بشخصية المؤذن ومن هنا ظل الناس يحتفلون باداء الأذان بوصفه لوناً خاصا ومتميزا من الوان الفن الرفيع الجليل. ألا ترى ان مغارب رمضان في مصر لاتكتسب شخصيتها.. ولا يتميز طعمها ولا ينضبط ايقاعها، كما نتصور الا على اذان الشيخ محمد رفعت الذي نشأت اسماعنا على نبراته تبعث الى قلبك معزوفة اقرب الى السبيكة من عناصر التبتل والخشوع ورقة الحاشية والاحتفال بجمال الفطرة وعبقرية الخلق، فما بالك والشيخ رفعت عليه رحمة الله يؤدي اذانه الرمضاني الشهير من مقام «السيكا» وهي النغمة الاقرب الى سحر الشرق ووجدان الشرق، هذا فيما كان الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي يؤدي الأذان بأسلوب يبعث الخشية بل والرهبة وهو ما يعبر عنه مقام آخر في أجرومية موسيقانا الأصيلة هو البيات، في حين كان الشيخ عبدالباسط عبدالصمد وقد وهبه الله صوتا صادحا.. اقرب الى طبقة التينور في الاوبرا نافذا الى شغاف القلب وحنجرة اقرب الى اوتار الكمان كان يفضل اداء اذانه من مقام الراست وهو ـ بدوره ـ نغمة رحيقية الامتاع والحلاوة عند من يجيدون فنون الاستماع. ويحدثنا الرواة عن دور الاذان في عصر ماقبل الميكروفون ومن عجب ان يكون مرجعنا في مثل هذه الاحاديث الطلية، كتابات واحد من اعلام ثقافتنا العربية الحديثة هو الشاعر الكبير خليل مطران وقد كان «الخليل» ـ كما تعرف ـ مسيحيا من جبل لبنان ولذلك فقد حمل لقبه المعروف شاعر القطرين آية على انتسابه الى مصر والشام وربما كان هذا الانتساب الطيب في ذهن رفيقه في مسيرة الشعر حافظ ابراهيم حين ارسل بائيته الشهيرة التي تساءل في مفتتحها: لمصر أم لربوع الشام تنتسب؟ هنا العلا وهناك المجد والحسب خليل مطران هو الذي حدثنا في كتاباته عن احتفال اهل القاهرة بالاذان وخاصة في رمضان بين صوم النهار واحتفال الليل، كان ذلك ـ كما يوضح مطران ـ في اخر القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين ولم يكن الميكروفون قد دخل الحياة العربية بعد.. بل كانت اكبر وسيلة اعلامية في ذلك العصر ـ هي «اذاعة الأذان» من مئذنة مسجد الحسين بن علي سبط النبي صلى الله عليه وسلم من حي الازهر في القاهرة ولك ان تتصور المدينة المعزيّة وقد نعمت بهدوء سابغ وسكينة مسدلة الستور قاهرة أقرب الى المدينة الفاضلة يوتوبيا بغير نفير السيارات وهدير المحركات وزعيق المتزاحمين دع عنك ثرثرة التلفاز والراديو والكاسيتات شغالة عَمّال ـ كمال يقولون ـ على بطَّال.. ولست أدري أين كان يسكن العم خليل مطران منذ قرن او يزيد. واتصور انه اتخذ مسكنه في نواحي الازبكية او العتبة الخضراء او ساحة الاوبرا القديمة حيث تمثال ابراهيم باشا الشهير «ابو اصبع كما كان يسميه عامة القاهريين» ذلك لأن خليل مطران كانت تأتيه نغمات وإيقاعات أذان العشاء والفجر وما بينهما واضحة بجلاء، جميلة بغير شك لدرجة ان كتب عنها مقالات نثرية جاءت أقرب إلى شعره الابداعي المطبوع، يحدثنا مطران عن عادات أهل ذلك الزمان، المؤذنون يرفعون الأذان كل يوم من مقام موسيقي مخصوص، مثلا السبت للسيكا والأحد للراست والاثنين للنهاوند والثلاثاء للبيات، وربما بلغ احتفالهم أوجه فجعلوا أذان فجر الجمعة مثلا من مقام الحجاز كار وهو الأقرب إلى روح الأداء الديني، ومنه ـ كما لعلك تعلم ـ يؤدون كثيرا من الأذكار والمدائح والتواشيح، ولم يكن صدفة ان كان الناس يتابعون المنشد ـ المؤذن ـ وهو يصعد إلى مئذنة الجامع الحسيني قبل الفجر بفترة طويلة ثم ينشد عددا من الابتهالات التي أضفى الناس عليها اسما فصيح الدلالة هو «استغاثات» وكم كانت الجدات والأمهات ينبهن الأحفاد والأبناء إلى قرب حلول الفجر، فها هو المؤذن فوق منارة الجامع «يستغيث». ثم يحكي خليل مطران عن اليوم المشهود الذي تسامع فيه أهل القاهرة بواحد من الأحداث الفريدة في مدينتهم، جاءهم من يقول: ان الموشحات والاستغاثات ومن بعدها رفع أذان الفجر سوف يكون بصوت سي عبده وليس غيره، يومها سهرت القاهرة تنتظر الوعد وترهف الأسماع.. كانت على موعد مع «سي عبده الحامولي» صاحب الحنجرة الذهبية والمقدرة الصوتية التي وضعته على رأس مطربي الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وفي رحيله في مستهل الخمسينيات من عمره عام 1901 للميلاد يومها أنشد المديح الجميل في مناقب نبيه، استغاث بصوت موجّه من مئذنة الحسين إلى عنان السموات وبعدها رفع أذان الفجر وبعدها أقامت القاهرة الصلاة، وقد ارتوى وجدانها بشهد الفن وحلاوة الايمان وبغير مكبرات الصوت ازدانت أجواؤها بأجمل النغمات. تلك تأملات وبعض من استدعاءات من زوايا الذاكرة، أوحت بها سطور جميلة .. فاهمة قرأناها للتو بقلم كاتب فنان من العراق هو الأستاذ ابراهيم السالم، وقد نشرها لنا بل نشر عطرها ملحق «البيان الثقافي» فأزجاها هدية تلقيناها بالحمد والمتعة والتأمل والتقدير.