جون قرنق يمكن ان يكون يساريا ويمينيا في آنٍِ معاً.. وتقدميا ومحافظا ووحدوياً وانفصاليا.. وصديقا للعروبة وعدوا لها. هكذا تتأرجح وتتضارب رؤى المثقفين السودانيين الشماليين حيال هوية زعيم «الحركة الشعبية لتحرير السودان» ـ جماعات وافرادا ـ ليس على اساس اختلافات علمية موضوعية وانما تعبيرا عن عجز فكري وشعور حاد بالاحباط الذاتي. اما قرنق نفسه فلا تساوره شكوك او اوهام تجاه نخبة السودانيين الشماليين: كلهم، من منظوره العنصري الثابت، «اولاد عرب» اعداء للشعب الجنوبي يحل له ان يستغل كلا منهم ضد الاخر: استغلال النظام الحاكم ضد «التجمع» المعارض، و «التجمع» ضد النظام والشيوعيين واليساريين ضد القيادات التقليدية الطائفية، ومجموعات «البجا» و «الفور» ضد المجموعات المنحدرة من اصول عربية.. الخ. ولا فرق عند قرنق بين نميري والمهدي والميرغني وسوار الدهب والبشير والترابي.. بل واسماعيل الازهري وعبدالله خليل: كل القيادات الشمالية منذ الاستقلال في منتصف الخمسينيات حتى اليوم والغد اعداء للجنوب في منظور قرنق، ولايتوقف الامر عند القيادات: الشعب الشمالي العربي المسلم كله يجب التعامل معه كعدو استراتيجي. مع ذلك نجد المثقفين السودانيين الشماليين، او بالاحرى قسماً كبيراً منهم، ينظر الى جون قرنق كبطل جدير بالثقة والاعجاب فلماذا؟ لنعد للوراء في الماضي اعتاد جمهور المثقفين الشماليين تقليديا على التطلع الى الحزب الشيوعي باعتباره رمز الخلاص، وهذه الظاهرة نشأت في عقد الستينيات على عهد الرئيس عبود، وهو اول حكم عسكري يعرفه السودان المستقل، فقد صدم المثقفون من جبن وتقاعس القيادات الحزبية الوطنية منذ الوهلة الاولى لتسلم الجيش السلطة في أواخر عام 1958 ولمدى ست سنوات لاحقة، ومن الانصاف ان نقول ايضا ان طائفة «الانصار» القاعدة الدينية لحزب الامة، بقيادة الصديق المهدي، والد الصادق المهدي، تصدت لمقاومة الحكم العسكري بوسيلة العنف خلال السنوات الثلاث الاولى، لكن سرعان ما خبت هذه المقاومة وتلاشت برحيل الصديق، فإمام الطائفة الذي خلفه في عام 1961 الهادي المهدي، كان زاهدا في المصادمة. وهكذا كان الحزب الشيوعي في السنوات الثلاث التالية التنظيم السياسي الوحيد الذي بقي في الميدان يصدام النظام بشتى الوسائل فانتزع اعجاب وتأييد كل فئات المثقفين. وعندما بلغت الامور ذروتها الحاسمة في اكتوبر 1964 باشتعال الشارع، تولى قادة الحزب وحلفاؤهم من قادة النقابات المهنية قيادة الانتفاضة التي أطاحت بالنظام. واذا كانت قصة الحزب الشيوعي مع نظام عبود قصة مجد وبطولة فإنها لم تكن كذلك في أواخر عهد الرئيس نميري، ففي انتفاضة 1985 التي اطاحت بنظام نميري لم يكن للحزب الشيوعي حتى فضل المشاركة فالفترة السابقة للانتفاضة منذ عام 1971 شهدت تدمير الحزب على يد نميري بتواطؤ من بعض قيادات الحزب كنتيجة لانشقاق على مستوى الطاقم القيادي، ويمكن القول انه بحلول منتصف السبعينيات انتهى الحزب الشيوعي الذي كان يعرفه جمهور المثقفين طوال عقد الستينيات. وهكذا نشأ فراغ سياسي لايزال قائما حتى الان، فلم يعد هنا كتنظيم ايديولوجي راديكالي ويساري النزعة يمكن ان يتطلع اليه جمهور المثقفين الشماليين كرمز للخلاص، والشعور الحاد بالاحباط الذي ينتظم المثقفين هو عجزهم عن صنع بديل للحزب الشيوعي لملء الفراغ.