كان الاسبوع الماضي اسبوعاً شاقاً بالنسبة للرئيس جورج دبليو بوش، فعلى الصعيد الداخلي خسر اقتراعين مهمين في مجلس الشيوخ الامريكي، بينما واجه تحديه الكبير الاول في السياسة الخارجية مع الصين. وكما هو متوقع، فقد صدرت مشكلات بوش مع مجلس الشيوخ من كل من الاعضاء الديمقراطيين بالمجلس ومن الاعضاء الجمهوريين المنتمين الى حزب الرئيس كذلك، حيث انضمت مجموعة تتألف من اثني عشر عضوا جمهوريا بالمجلس الى كتلة ديمقراطية بصورة كاملة في جهودها لإقرار مشروع قانون اصلاح تمويل الحملات الانتخابية، وبينما لاتزال هناك جولات عديدة اخرى يتعين خوضها والاقرار النهائي للمشروع لايمكن ضمانه، فإن هذا الاقتراع الاول يمثل ضربة لبوش. وشأن الكثيرين من اعضاء حزبه فقد عارض طويلا الاجراءات المقترحة في مشروع القانون من حيث المبدأ ومن شأن الحقيقة القائلة ان مشروع القانون يحمل اسم سيناتور جون ماكين، منافسه في الانتخابات الاولية للحزب الجمهوري لعام 2000 ان تجعل اقرار هذا المشروع دواء مريرا على نحو خاص. وقد اقترب ماكين، وهو ناشط جمهوري بارز، من وضع نهاية لمسيرة بوش في اوائل عام 2000 خلال السباق الانتخابي المحتدم بينهما، وبينما دعم في وقت لاحق الفائز الجمهوري وشن حملة لمناصرته، الا ان العلاقات بينهما ظلت فاترة تماما، ومع تخوف بعض الجمهوريين من ان ماكين قد يتحدى جهود بوش لاعادة انتخابه في عام 2004 فقد سعوا لتقليص نفوذه في واشنطن. لم يسفر هذا كله الا عن زيادة جرأة سيناتور ولاية اريزونا المتسم بالاستقلال وحرية التفكير، فعقد العزم على تمرير مشروع قانونه الاصلاحي الذي يحمل بصمته، وذلك على الرغم من معارضة البيت الابيض له، وخلال الاسبوع الماضي تم اقرار المشروع في اقتراع اولي دقيق بأغلبية 59 صوتا ضد 41 صوتا، وتكفل محياه الباسم الذي أطل على الصفحة الاولى من نيويورك تايمز بسرد القصة: فوز ماكين وهزيمة بوش. وجاءت مثيرة للانزعاج بالقدر نفسه بالنسبة للرئيس الجديد الهزيمة التي مني بها خلال الاسبوع الماضي اقتراحه بتخفيض الضريبة. وقد جرى الاقتراع على تعديل تم اقراره بغالبية 53 صوتا ضد 47 صوتا، ويدعو هذا التعديل الى التقليص بنسبة الثلث للخفض الضريبي، الذي اقترح بوش انجازه والمقدر بـ 1.6 مليار دولار، وقد نقل الاقتراح الديمقراطي 500 مليون دولار الى انفاق جديد على التعليم وتسديد الدين القومي. وفي حقيقة الامر انه كان نكسة اكثر مما كان هزيمة يمكن تحويلها الى فوز في اقتراعات لاحقه. ولكنه عندما اقترن بالاقتراع على مشروع قانون اصلاح تمويل الحملات الانتخابية فقد اكد الحقيقة القائلة ان بوش ربما يكون معرضا لخطر فقدان السيطرة على جدول الاعمال التشريعي لحساب تحالف مدهش من الجمهوريين والديمقراطيين المعتدلين. من الممكن بالطبع ان يكون بالوسع ان يلتقط الرئيس الامريكي انفاسه مما حاق به، فهو لايزال يحظى بحلفاء اقوياء في الكونجرس سيتحركون بقوة من اجل مشروعه للخفض الضريبي وضد مشروع القانون الذي تقدم به ماكين لاصلاح تمويل الحملات الانتخابية، وهو يحظى بالوضع الذي يمكنه من تشكيل ملامح السجال العام حول جدول اعماله، ولكنه في الوقت الراهن يفتقر فيما يبدو الى دعم الرأي العام على الجبهتين كلتيهما. وتوضح نتائج استطلاعات الرأي انه فيما لايحتمل تمويل الحملات الانتخابية اولوية متقدمة لدى الناخبين، الا انه يحظى بتأييد قوي منهم، والامر الاكثر اهمية هو ان الرأي العام يظل على صلة طيبة بالسيناتور جون ماكين الذي تعد شعبيته اكبر من شعبية الرئيس الامريكي، وفي حقيقة الامر ان استطلاعا حديثا للرأي اجراه معهد زغبي تضمن السؤال التالي: «اذا نشب خلاف بين ماكين والرئيس بوش فأيهما ستؤيده» وقد اختار الرأي العام صف ماكين بفارق عن بوش مقداره 11%. وعلى صعيد قضية الخفض الضريبي كذلك يظل الرأي العام بعيدا عن الاقتناع، فهو يؤيد الخفض ولكنه لايدعم خفضا كبيرا كالذي يقترحه الرئيس وليس على حساب البرامج التي تمس الحاجة اليها او خفض الدين القومي. وهكذا فإن بوش مشغول تماما على الجبهة الداخلية والتشريعية، ولايزال عاكفا على العمل على الحاق الهزيمة بخصومه وتكريس التفويض الذي يحظى به. وفي غمار زيادة تعقيد الامور بالنسبة للرئيس الجديد جلب الاسبوع الماضي معه تحدياً من تحديات السياسة الخارجية يمكن ان يستنزف القوى في صورة مواجهة مع الصين، حيث طرح اصطدام طائرة حربية صينية بطائرة استطلاع امريكية مشكلة متعددة الجوانب على بوش. خلال حملة انتخابات عام 2000 تحدى بوش تعامل ادارة كلينتون مع الصين وروسيا، وذهب الى القول ان الديمقراطيين قد التزاموا اللين في التعامل مع هذين البلدين كليهما، واهملوا المشكلات التي يطرحانها على الولايات المتحدة وحلفائها ومصالحها الاستراتيجية ووعد الجمهوريون الذين بدا خطابهم في بعض الاحيان وكأنه يردد اصداء مرحلة الحرب الباردة بتبني موقف اشد صرامة ضد البلدين كليهما وبمعاملتهما كخصمين محتملين اكثر مما هما «حلفيان استراتيجيان». وبينما نحي بعض هذه الطروحات باعتباره لايعدو ان يكون خطابا انتخابيا، فإن سلوك الادارة المبكر يشير الى انتقال حقيقي في السياسة، وقد جعل طرد 50 دبلوماسياً روسيا من واشنطن وهذه المواجهة الراهنة مع الصين بعض الجمهوريين يشعرون بالقلق. ومن هنا فإن الموقف الراهن، الذي تحتجز الصين في اطاره 24 عسكريا امريكيا وطائرة امريكية جنبا الى جنب مع مطالبة الصين للولايات المتحدة بالاعتذار عن دورها في اصطدام الطائرتين ومصرع قائد الطائرة الصينية يتحدى الرئيس بوش على ثلاثة مستويات. فهو اولا يواجه باختبار علني لقيادته في غمار ازمة من ازمات السياسة الخارجية وهناك عدد من المنتقدين الذين اشاروا الى ان الرئيس الامريكي ينبغي ان يعتذر فورا للصين وينهي الموقف بأسرع ما يمكن، ولكن الرأي السائد في صفوف الجمهور بعامة والقادة السياسيين للحزبين الرئيسيين الامريكيين يعطي درجات عالية لاداء الرئيس الامريكي حتى اليوم، وهناك ملاحظة هامشية مثيرة للاهتمام هنا هي اصرار البيت الابيض على نفي ان يكون الرئيس الجديد قد استشار أيا من ابيه او مستشار ابيه لشئون الامن القومي خلال هذه الازمة، وهذا امر قد يتغير، ولكن يبدو انه يعكس رغبة في اظهار الرئيس الجديد باعتباره رجلا يعتمد على نفسه. واستجابة الرئيس بوش المتشددة في البداية حيال هذه الازمة الصينية هي وليدة الحاجة الى موازنة الضغوط المنبعثة من قلب حزبه، فهناك حاجة الى الظهور بمظهر «الانصاف والحزم» من دون الظهور في الوقت نفسه بمظهر الرجل الاستفزازي والساعي الى المواجهة بلا ضرورة. اخيرا، فإن الرئيس الامريكي يتعين عليه ان يحرص على الا تلقي هذه الازمة بثقلها على جدول اعماله المحلي، فلن يخدمه بشكل جيد ان يدخل وهو في هذه المرحلة المبكرة من فترة رئاسته في مواجهة ممتدة مع الصين، وفي الوقت نفسه فإنه سيتعرض للضرر اذا قدر له ان تشوشه هذه الازمة بحيث يفقد سيطرته على جدول الاعمال التشريعي الذي أقام صرح رئاسته حتى الان عليه. وفي النهاية بالطبع فإن بوش سيتم تقويمه والحكم عليه من خلال نتيجة هذه المواجهة وقد يؤدي حسم ناجح للازمة الى اعلاء شأنه وزيادة التقدير له في الداخل (وهو التقدير الذي انخفض في احد استطلاعات الرأي الى مستوى متواضع هو 49%) ويمكن لنتيجة اقل وضوحا ان تكون مضرة للغاية، حيث ستضعف رئاسته وتجلب صراعاً داخلياً الى حزبه، وتكبد الرئيس التأييد في الكونجرس، بل وتجلب تحديات اخرى في الداخل والخارج. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي