فجأة تذكرت أنني لم أر أحياء دبي القديمة منذ زمن بعيد جداً، وباعتباري من منطقة ديرة فأنا أقصد احياءها التي مشيناها عندما كنا صغاراً.. منطقة الراس.. فريج الضغايه، فريج المرر القديم وعيال ناصر والمرر الجديد وسكة الخيل و... وفجأة تذكرت أنه ما عاد موجوداً من هذه الاحياء سوى اسمائها تجلجل في ذاكرة جيل نسفت ذاكرته وطمست معالم طفولته وذكرياته وجدرانه العتيقة وأزقته الضيقة تحت الرماد الذي تكون اثر انفجار براكين النفط والهجرة الغريبة! وفجأة اجتاحني حنين جارف لفريجنا الذي مازالت رائحته طازجة في ذاكرتي كرائحة عشب مبلل في صباح ندي.. وذهبت بسيارتي محاولة الالتفاف من هنا ومن هناك، للدخول إلى ذلك الفريج، فكدت في دقائق ادهس بسيارتي عشرات الغرباء ممن كانوا يبحلقون فيّ مستغربين وجودي و(تطفلي) على مكان تجمعهم ومركز حياتهم ومعيشتهم! البيوت لا تشبه بيوتنا التي مازالت تعبق في الذاكرة بأشجار اللوز والسدر، والبحر غادر المكان نهائيا بعد ان كان على مرمى بصر فكان الجار والصديق ومكمن الرزق وسيد الاسرار والاقدار الذي لا يؤتمن ولا يمكن العيش بعيداً عنه.. الناس ليسوا هم الناس، الكلام ليس كلام أمي وأبي وجدتي وجيراني و.. وكدت أختنق، بكيت بصمت ثم غادرت الحي الذي لم يعد لي فيه سوى غبار يلتصق بجدران الذاكرة بعد ان اختفت كل الجدران التي شخبطنا عليها بالفحم، وكتبنا عليها دروسنا التي تعلمنا في المدرسة وشيء من البذاءات التي لا تفارق أطفال الأحياء. وكلما اقتربت من حي آخر كان لي فيه بيت ولهو ولعب وأصدقاء، كلما فاجأني المكان بالنكران وفاجأتني الذاكرة بالصمت الرهيب وتهمة تقول: بيدكم لا بيد هؤلاء الغرباء! أين نحن إذن؟ في أطراف المدينة بعيداً عن قلبها وأصلها وتاريخها وهويتها، نحن اليوم نسكن أحياء بلا تاريخ، بلا جذور، أحياء تتكون بفعل الامتداد السكاني باتجاه الصحراء، نحن نعيش برئة صناعية بعد أن استأصلنا القلب أو استأصلنا أنفسنا من القلب من قلب المدينة الحميم. وكلما مر زمن أمعن الناس في الذهاب بعيدا، وأعطوا مفاتيح بيوتهم وأسرار ذاكرتهم ودفء ماضيهم لغرباء جدد، ثم صاروا يتصايحون: من نحن؟ أين هويتنا؟ لقد صرنا أقلية! وكأن هناك من يخطط لهذا التيه السكاني وهذا الضياع العمراني الذي يجذبنا إلى الخارج حيث يلقينا في هاوية التمزق. هل نستطيع العودة إلى حارات اللهو القديمة؟ هل يمكن لهؤلاء الغرباء ان يرحلوا أم انهم غرسوا جذورهم إلى ما لا نهاية بانتظار صك الاعتراف الرسمي المختوم بختم السلطات؟