ينضوي العالم في اطار احتفائه باليوم العالمي للصحة الذي بدأ امس تحت شعار «لن نغفل الصحة النفسية ولن نخذل مرضاها» ويحيلنا هذا الشعار ، الذي تم اختياره لتسليط الضوء على الخدمات المقدمة للذين يعانون امراضا نفسية مسبباتها في جزء كبير منها اكتئاب مزمن وعصاب وخوف واكراه واوضاع اسرية واجتماعية وسياسية واقتصادية خاطئة وغير سوية الى اخر ما يرفع الضغط ويلوي عروق الدم في الادمغة، يعطل الخلايا العصبية، ويربك افرازات الهرمونات التي يحتاجها الجسد الذي تعيش فيه النفس.. وكعادة هذه الذكرى السنوية وما شابهها من ايام عالمية فانه سنقرأ الاحصاءات المذهلة عن اولئك التعساء الذين ازمتهم ظروفهم الحياتية، واعداد نزلاء عنابر المصحات العقلية على امتداد العالم، وسنقرأ عن مسببات ما طالهم وجعلهم خارج منظومة البشر الاسوياء، ان كنا حقا سنعتبر من هم خارج عنابر المصحات يتمتعون بصحة نفسية يعتد بها، وستوافينا الدراسات والبحوث القديمة والحديثة بسيل من التراتيب اللازمة للقضاء على الظاهرة الابدية في حياة البشر التي حولها البشر انفسهم الى ظاهرة بالاكراه حينا وبالطيبة حينا وبالجهل الكثير احيانا كثيرة. وستفجعنا وتقض مضاجعنا المسببات، والحلول التي فشلت دول العالم المتحضر ومعه دول العالم المتخلف عن ركب الحضارة في تبنيها وتطبيقها، وستستدعي مخيلتنا وذاكرتنا صورا مزعجة عن استخدامات عقاقير العلاجات النفسية المشروعة وغير المشروعة، واستخدامات الصدمات الكهربائية وجلساتها الاشبه بجلسات التعذيب. سنعيش هذه الايام قراءة كل هذا في اطار الشعار الجديد الذي يبدو ان اختياره يحمل مؤشرا فاضحا لما آلت اليه مدنية البشر وصراعاتها التي بجلت الحديد والبارود والقهر والسلب والاستغلال وداست هذا الانسان بنعلها الانيق.. سنقرأ حد الرعب من هذا لاكثر من اسبوع، سنقرأ بعناية تحت ذلك الشعار، لانه وكما يبدو ليس المقصود منه اولئك الذين زج بهم في العنابر فقط، بل نحن الذين نعيش في العنابر نفسها لكن مع اختلاف الحدود، واختلاف الاطباء والمعالجين، واختلاف العقاقير التي لا تؤدي الى صحة بل الى قتلها. فقلوبنا مع من في العنابر الكبيرة، وحسراتنا على من تروض سيكولوجياتهم وتروض مبادئهم واخلاقياتهم لجعلها اكثر استجابة للهشاشة في كل شيء، وما اكثرها وما ابسطها من وسائل تلك التي يستعان بها من اجل احكام السيطرة. بالقهر، بالقمع، بغسيل الادمغة، بدس السم في الثقافة والفكر، وبالزرنيخ، وبنفايات الافكار، وسموم الايديولوجيات، وبخناجر التفاهة، وبالرقص الماجن، والسياسة الماجنة، وباليورانيوم المنضب، وبالشخوص الخطأ المتحكمين في مصير البشر في المكان الخطأ، بنفايات التجارة العالمية، وبنفايات المصانع السامة التي تدس سرا في فم الطبيعة جرما واصرارا.. بشكل شيء يهدد صدور الصغار، قلوبهم وعيونهم الجميلة.. بشكل شيء لا يرحم ولا يبقي ولا يذر. بهذا كله «لن نغفل الصحة النفسية ولن نخذل مرضاها».