مخطئ من يعتقد ان الوطن جواز سفر وبطاقة هوية وخلاصة قيد. ومخطئ أيضاً من يعتقد أنه قطعة أرض نشيد عليها بيتاً.. قصراً كان هذا البيت أو كوخاً. ومخطئ أكثر من يعتقد انه وظيفة أو رخصة تجارية نتكسب منها. الوطن هو تلك السماء التي تستطيع رؤيتها وقتما شئت. وهو ذلك الفضاء الرحب الذي تكتحل به عيناك أينما اتجهت. وهو ذلك الهواء الذي يملأ رئتيك نقياً كلما تنفست. وهو ذلك التراب الذي تغرس فيه أصابعك فتخرج مخضبة بعطره الفواح كيفما أردت. ليس شرطاً أن تكون ربوع الوطن مزارع خضراء وحدائق غناء.. فالصحراء أيضاً وطن والجبال ايضاً وطن وسواحل البحار أيضاً وطن. كيف يمكن لنا أن نحمل الوطن في قلوبنا ونسافر به أينما ارتحلنا؟ كيف يمكن لنا أن نطبق على الوطن جفوننا وننام لتكتحل به في الصباح عيوننا؟ كيف يمكن لنا أن نمزج الوطن بدمائنا لنروي به أبعد خلية في أجسامنا؟ كيف يمكن لنا أن نعطر به الهواء الذي تمتلئ به صدورنا؟ كيف يمكن لنا أن نزرعه شجرة وارفة الظلال نلوذ بها من هجير الحياة؟ كيف يمكن لنا أن نجعل منه سفينة آمنة نعبر بها الى مرافئ النجاة؟ كيف يمكن لنا أن نقيم منه قلعة تصد عنا غارات الغزاة؟ كيف يمكن لنا ان نتصوره بسمة ترتسم على الشفاه؟ نجتهد كثيراً في وصف الوطن.. ويبقى الوطن أكبر من أي وصف. نبحث طويلاً عن سر تلك العلاقة التي تربطنا بالوطن فندرك ان حبلنا السري ما انفك موصولاً به لا ينقطع ابداً حتى وإن غادرنا الحياة.. ننظر حولنا فلا نجد بقعة أجمل من تلك التي أطلقنا فيها صرختنا الأولى وأبصرنا فيها صورتنا الأولى وخطونا فيها خطوتنا الأولى. نسافر كثيراً ونشاهد بلدانا شتى.. جميلة هي في ظاهرها.. زاخرة بكل الأشياء الا شيئاً واحداً هو ذلك الشعور الذي يتحرك داخلنا كلما هبت نسائم الوطن فحملت الينا ماضياً لا نملك الانسلاخ عنه وحملتنا الى مستقبل لا نملك الانسلاخ عن الوطن فيه. صغاراً نجري في تلك الأزقة الضيقة.. يلتصق غبار الأرض بأطراف ملابسنا.. تجمعنا الساحات وألعاب كنا نصنعها.. ونكوم رملاً لنحدد أرض ملاعبنا. أوقات اللعب لها زمن لابد له آخر.. وملاعب تلك الايام ومرحلة اللهو نغادر.. نغير آلاف المرات ملابسنا.. تتبدل كل الأشياء وشيء واحد لا يتبدل.. يأبى إلا أن يبقى ملتصقاً بالذاكرة.. رائحة الارض وصورة تلك الساحات.. صغاراً نحسبها واسعة تجري فيها الخيل.. كباراً ندرك ان قلوب الناس هي الرحبة في تلك الفترة. نتدافع فوق الكثبان اذا أزف الصيف.. وتجمعنا بالليل حكايات الجدات.. نخترع لكل فصل من فصول العام ألعابه الخاصة وأماكنه الخاصة وطقوسه الخاصة. صغاراً لا نعرف معنى هاتيك الأشياء.. لكننا عندما نكبر ندرك ان الأشياء التي كنا نعتقد انها صغيرة تحتل زاوية كبرى في الذاكرة.. نعود إليها كلما رأينا ملامح الحياة تتبدل من حولنا.. نحكيها لأبنائنا كي يعرفوا قيمة اللحظة التي يحيون ويستطيبوا طعم الطفولة التي يعيشون.. وكي يتذكروا كباراً ما قلناه فيعيدوا روايته لأبنائهم بطريقتهم الخاصة. هل نرسم الحياة دائرة مغلقة ننطلق من نقطة محددة فيها لنعود الى نفس النقطة؟ أم نرسمها خطاً مستقيماً نبدأ من نقطة فيه وننتهي عند نقطة؟ سؤال ربما حيرتنا اجابته.. لكننا لن نقف كثيراً عنده.. فالحياة التي يتسارع خطو أعوامها لا تحتمل مثل هذه الفلسفة أحياناً. في لحظة ما من حياتنا نقرر ان نلقي نظرة على ما راكمنا من أعوام خلفنا. من أي لحظة نبدأ؟ من اللحظة التي وعينا فيها على الحياة؟ ربما كانت بداية موفقة. أين نتوقف؟ عند اللحظة التي نسأل فيها أنفسنا ماذا أعطينا؟ هي بالتأكيد اللحظة الأجدر بالتوقف عندها. سننحي الجانب الشخصي من الموضوع، فثمة عوامل كثيرة بعضها موضوعي وبعضها خارج حساباتنا مارست شكلاً من أشكال التدخل في المحصلة النهائية. لن نعطي انفسنا أكبر من حجمها ونوسع الدائرة كثيراً، وسنسأل ماذا قدمنا للوطن الذي احتضننا صغاراً ومنحنا شرف الانتماء اليه كباراً، وعلى ترابه تشكلت الصور الأولى في خيالاتنا ورسمنا احلامنا الوردية في صفحة سمائه؟ رب سائل يسأل: وهل يكفي هذا وحده كي تكون للوطن كل هذه الحظوة لدينا؟ رب قائل يقول: وماذا لو لم يمنحنا الوطن الرفاهية التي عنها نبحث، ولم يوفر لنا رغد العيش الذي إليه نتطلع؟ ذاك هو الفيصل حين نسائل أنفسنا عن وطن ماذا قدم لنا وآخر ماذا قدمنا له. عندما لا يعني لنا الوطن سوى تلك الأمتار التي نحيطها بسور نعبر بوابته كي ننام ونصحو ونأكل ونغير ملابسنا لا تعود لتلك الاشياء التي تحدثنا عنها قيمة، ولا يعود لذكريات الطفولة أثر في نفوسنا. عندما لا يعني لنا الوطن سوى تلك الأرقام التي نضيفها الى حساباتنا نهاية كل شهر لا يعود للوطن تلك المعاني العظيمة التي تدفعنا للمحافظة عليه وصون كرامته. عندما لا يعني لنا الوطن سوى تلك المكاسب الزائلة يصبح الانتماء للوطن جواز سفر وقطعة ارض ووظيفة او رخصة تجارية نتكسب منها. وعندما يصبح الوطن بالنسبة لنا هو هذه الاشياء فقط تتقدم التضحية بالوطن على التضحية من أجله، ويصبح سهلاً علينا ان نبيع الوطن لأول من يفتح لنا حافظة نقوده، ويصبح البيت غاية والوظيفة وسيلة والوطن سلعة.. وعندها لا نتردد في المتاجرة به اذا اقتضت الضرورة ذلك ودفعتنا الحاجة الى عرضه في «فترينة» من الفترينات واقامة مزاد عليه. عندما يحتل الوطن هذه الزوايا فقط من تفكيرنا يجد الضعف طريقه الى نفوسنا ويصبح التفريط في أمن الوطن سهلاً علينا ويصبح الحفاظ على كيان الوطن آخر ما نفكر فيه. نتمنى للوطن ابناء يعرفون له حقه ويحفظون له عهده ويضعونه فوق مصالحهم ويترفعون عن الصغائر من أجله. نتمنى للوطن أبناء تشدهم للوطن رائحة الأرض وزرقة السماء وذكريات الأمس وطموحات الغد.. ولا يثبط من عزائمهم متقاعس او عاجز او منتفع. نتمنى للوطن مواطنين لا يعني لهم الوطن اكثر من جواز سفر وبطاقة هوية وخلاصة قيد لا تساوي عندهم ثمن الورق الذي طبعت عليه وثمن الحبر الذي طبعت به عندما تتعارض مصالحهم مع مصلحة الوطن. ونتمنى وطناً تختفي منه كل مظاهر الزيف وينكشف فيه كل الأدعياء ولا يعود فيه مكان الا لذوي النفوس الأبية الكبيرة التي تستحق شرف المواطنة ويحق للوطن ان يفخر بها.