يتساءل الكثير من الناس عما إذا كان سلام الشرق الأوسط قد تحول الى ضباب داكن يصعب سبر أغواره وكشف أسراره، أم الى مجرد سراب وأوهام وأضغاث أحلام. فالصورة أصبحت الآن مشوشة، والاحتمالات غائبة، والتوقعات غير بعيدة عن الرجم بالغيب. وهذا التصوير لواقع الحال ليس ضرباً من التشاؤم المفرط، إذ أننا إذا وضعنا في كفة ميزان، ما بُذل من جهود هائلة في سبيل السلام منذ إبرام اتفاقية كامب ديفيد، وحتى اليوم، ثم وضعنا في كفة ثانية، محصلة هذه الجهود ومردودها، فإن الدهشة لابد أن تعقد ألسنتنا، لأن مقدار ما تم انجازه من خطوات سلمية، يعد ضئيلاً جداً، بالقياس الى ما جرى من المفاوضات والمؤتمرات والتوسطات التي لم يسبق لها مثيل في أي مكان آخر من العالم. عقدة الأزمة ولعلنا نستذكر كيف أن الرئيس السابق كلينتون قد تفرّغ شهوراً طويلة لحل عقدة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ثم خاب فأله. وذوى أمله، وترك الحكم، وهو خالي الوفاض، لا يلوي على شيء. ولم يَفُتْهُ، بعد تلاشي أمنيته بالحصول على جائزة نوبل للسلام، أو يصرح بأن مشكلة الشرق الأوسط هي أصعب مشكلة في العالم. لقد كان الرئيس الأمريكي السابق، وهو يحاول فك عقدة الأزمة، يبدو وكأنه يسعى الى الحرث في البحار، أو القبض على الرياح. وهذا ما جعل خليفته جورج دبليو بوش يتخذ موقف الحذر واللامبالاة والترقب إزاء قضية السلام في المنطقة. وذلك لشعوره بأن المشكلة أصعب بكثير مما كان يبدو في الظاهر، وأن حلها لا يمكن أن يولد بضربة كف، بل يحتاج الى أفكار إبداعية جديدة، غير معهودة، وإلى جهود خارقة غير عادية. وهناك أسباب عديدة لتعقد المشكلة، منها أن الخلافات المستعرة بين العرب وإسرائيل، لا تقتصر على العامل المادي، أي الأرض والمياه والحدود والتسلح، بل تتعداها إلى عوامل نفسية ودينية وأمنية. التسوية على مفترق الطرق فاستيلاء الاسرائيليون على فلسطين ثم احتلالهم للضفة الغربية والجولان، وبسطها السيادة على الأماكن المقدسة كالمسجد الأقصى، ألهب مشاعر العرب ولا سيما المتدينين منهم، وزرع في قلوبهم بذور الكراهية العميقة لليهود. ولا يمكن لمثل هذه الكراهية أن تخف، إلا إذا قدّم هؤلاء تنازلات واسعة النطاق وغير مسبوقة، في جميع بنود النزاع. أي أن على الدولة العبرية، أن تنفذ خطوات وإجراءات كثيرة لإثبات حسن النية، قبل أن يفكر العرب بإمكانية قبولها بصفة عضو شرعي في نادي الشرق الأوسط. وهذا أمر مستبعد، لأن النوايا الاسرائيلية، كما يبدو حتى الآن، غير حسنة، وإذا تركنا الجانب العربي الذي تغلي مراجل حقده وكراهيته، وانتقلنا الى الطرف المعتدي، نجد أن الأوهام الدينية والهلوسات المَرَضِيّة، تجعل المتطرفين والمتزمتين الإسرائيليين يتوهمون أن الأراضي العربية المحتلة، هي جزء من أرض الميعاد التي يحرم الله تخليهم عنها، ويوجب عليهم السعي لتوسيع رقعتها، حتى تمتد من النيل الى الفرات. وفضلاً عن ذلك، فإن هؤلاء وغيرهم من اليهود يعزّ عليهم ترك أراض خصبة وغنية يستثمرون خيراتها وينعمون بمائها وهوائها، ويجدون من الصعب عليهم أن يمنحوها لأناس غرباء عنها، مثل الفلسطينيين! أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن إبرام تسوية في الشرق الأوسط، سيلزمها بدفع أموال طائلة تبلغ عشرات مليارات الدولارات إلى الأطراف المتصالحة، في حالة تصالحها، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، إذ أن هناك موانع أخرى غير مادية تحول دون تحمسها للإسراع في إنجاز التسوية المرتقبة، لأن هذا يتطلب منها أن تضغط على الطرفين أو على أحدهما لصالح الآخر، وفي هذه الحالة تتعرض للمسئولية أمام الطرف المضغوط عليه. فإذا ضغط الرئيس الأمريكي على إسرائيل مثلاً، حتى تعيد للعرب كامل الأراضي التي احتلت في الرابع من يونيو، ومن ضمنها القدس، فإنه سيصبح عرضة لنقمة اللوبي الصهيوني واليهود في جميع أنحاء العالم. وإذا ضغط على العرب حتى يقبلوا بما هو أقل من هذه الأراضي، فإن الحقدالعربي المستعر أصلاً عليها، سوف يزداد حدة وضراوة. وربما تتعرض مصالحها على المدى البعيد للضرر. فإذا كانت الحال هكذا، فإن علينا ألا نتوقع من أمريكا حماساً حقيقياً لدفع عجلة التسوية، في حالة استمرار الظروف الراهنة. وفيما يخص الزعماء العرب والإسرائيليين، فإن قبولهم بأي حل لا يرضي المتشددين من كلا الطرفين، سوف يعرضهم للتهديد، وربما للخطر. الشرق الأوسط وعدم الاستقرار وهكذا، وعلى الرغم من وجود مصالح قوية لأطراف محلية ودولية في حلول سلام دائم في منطقة الشرق الأوسط، فإن هناك مصاعب جمة تجعل هذه الأطراف تفضل التريث والترقب قبل الإقدام على إبرام تسوية ما، تجنباً للأخطار التي قد تنجم عن ذلك. ومما يزيد الطين بله، أن رجل الشارع العربي أو الإسرائيلي، لا يفهم بشكل واضح أن كل تسوية تفاوضية تستلزم تقديم تنازلات، وهو لا يقبل عادة الا بتسوية تحقق جميع شروطه ومطالبه. وهذا أمر مستحيل. فهل يعني ما سبق أن الشرق الأوسط سيبقى الى الأبد غارقاً في بحر الاضطراب وعدم الاستقرار، ومعرضاً للحروب؟ أغلب الظن أن المخططين السياسيين سيحاولون إيجاد صيغ جديدة للتغلب على العقبات الجسام التي تعرقل إيجاد تسوية سلمية. ومن بين ما يمكن اللجوء إليه، الاستئناس بالمرجعيات والاستعانة بالتحكيم الدولي، كما حدث بالنسبة لمشكلة طابا التي استطاعت مصر استعادتها كاملة بفضل التحكيم. صحيح أن الانتفاضة المباركة يمكن أن تجبر الاسرائيليين على الرضوخ للشرعية الدولية، إلا أن هناك شروطاً عديدة يجب توافرها حتى تتمكن هذه الانتفاضة من الاستمرار وتحقيق الأهداف المرجوة منها. فإسرائيل وفي ظل حكم شارون سوف تلقي بكل ثقلها لإجهاض الانتفاضة وإفشالها. وإذا لم يسارع العرب إلى إنقاذها ودعم أبطالها بالأفعال والأموال والمعدات، فإن تواصلها يصلح أمراً مشكوكاً فيه. وعلى كل حال، فإن الأحداث في الضفة الغربية مرشحة لأحد احتمالين، فإما أن تخف حدة الانتفاضة، ويتم ما يسمى بـ «التنسيق الأمني» وتبدأ المفاوضات، بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولا سيما بعد إعلان بوش عن نيته القيام بدور فاعل في عملية السلام، بعد استقباله الرئيس مبارك والملك عبدالله في واشنطن في بداية شهر ابريل، أو أن يزداد الكفاح المسلح حدة وضراوة، ويتصاعد العدوان الإسرائيلي المسلح، وتتسع رقعة المواجهات في الشرق الأوسط، والاحتمالان واردان بشكل متساوٍ تقريباً. أما بقاء الأوضاع على حالها وبصورتها الراهنة، فأمر مستبعد. وبعد الإعلان عن اللقاء الذي تم بين نبيل شعث وصائب عريقات، من جهة، وشيمون بيريز، من جهة ثانية في العاصمة اليونانية، في الرابع من شهر أبريل أصبح احتمال استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، هو الأرجح. ـ كاتب سوري