هل الدعوة الى خروج القوات السورية من لبنان مطلب وطني يجمع عليه كل اللبنانيين او غالبيتهم؟ هذا هو السؤال الكبير الذي طرحه الامين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله. واذا كانت هذه المسألة يطرحها قسم من اللبنانيين كقضية وطنية فانني لا احسب ان بوسع اي جماعة لبنانية ان تزايد على «حزب الله» بحسابات الغيرة الوطنية على لبنان وشعبه وارضه، فهذا التنظيم القتالي دخل التاريخ العربي باعتباره القوة اللبنانية التي تولت اجبار القوات الاحتلالية الاسرائيلية بأسلوب النضال المسلح على الجلاء عن ارض الجنوب اللبناني وهي كسيرة حسيرة مهزومة. ان الدعوة الى خروج القوات السورية صادرة من اقلية طائفية، وكون ان الطوائف الاخرى، والقوى السياسية اللبنانية بوجه عام لم تتجاوب معها فلأن من الواضح انها أولا دعوة ليست فوق الشبهات، وثانيا لان خروج القوات السورية من لبنان في هذا الظرف العصيب السائد في منطقة الشرق الاوسط سوف تنشأ عنه تداعيات خطيرة، لبنانيا واقليميا. اننا جميعا نعرف لبنان الشقيق وحساسية تركيبته الطائفية الدينية وتاريخ الفتنة الطائفية التي افرزت حربين اهليتين جلبت للجميع وللوطن خرابا ودمارا لا تزال آثاره تتداعى حتى يومنا هذا. على ان الحرب الاهلية الاخيرة كانت مرشحة للاستمرار الى ما لا نهاية لولا التدخل السوري، فقد ادى هذا التدخل الى خلق نوع من التوازن الطائفي ما كان ليتحقق اطلاقا لو تركت قوات الطوائف المتعاركة لنفسها. وما يمكن استخلاصه اذن من دروس الحرب الاهلية اللبنانية هو ان انسحاب القوات السورية الآن قد يعيد المشهد اللبناني مرة اخرى الى الفتنة الطائفية ومن ثم احتمال تجدد الحرب الداخلية. اما على الصعيد الاقليمي فان انسحابا سوريا من لبنان كاستجابة لضغط محلي قد يحمل رسالة تفسرها اسرائيل بحسابات الصراع العربي الاسرائيلي على انها تعني انفصام التلازم على المسار السوري اللبناني تجاه مستقبل هذا الصراع. بالتالي ليس من غير الانصاف ان ينظر اللبنانيون والعرب جميعا الى الدعوة الحالية الى تصفية الوجود السوري في لبنان بانها في الحقيقة دعوة صادرة من اسرائيل او على الاقل دعوة لبنانية بالتنسيق مع الدولة اليهودية. ومما يدعم هذا الاستنتاج ان تلك الجهة اللبنانية المنادية بالانسحاب السوري لم يرتفع لها صوت طوال 22 عاما من الوجود الاحتلالي الاسرائيلي على الارض اللبنانية. ويبقى تساؤل: حتى لو كان الوجود السوري في لبنان يتعارض مع اعتبارات السيادة الوطنية للدولة اللبنانية، هل يجب ان تكون القضية اللبنانية ذات الاولوية الاولى في هذا الظرف الذي بلغ فيه العدوان الاسرائيلي ذروته؟