النتيجة الأساسية لزيارة الرئيس المصري حسني مبارك ثم ملك الأردن عبدالله الثاني لأمريكا هي التأكد من أن أمام العرب فترة صعبة، في العلاقات مع واشنطن وفي المواجهة مع تل أبيب. وقد يكون مفيدا أن يشرح القادة العرب للادارة الأمريكية الجديدة رؤيتهم للموقف في الشرق الأوسط، ولكن ذلك ينبغي أن يتم دون انتظار معجزات أو توقع انقلابات دراماتيكية في موقف أمريكا، دون الوقوع في وهم أننا نتعامل مع ادارة أمريكية (جاهلة) بما يدور في المنطقة ومازالت تبحث عن السياسة التي تتبعها مع مشاكلها، وعلينا أن ننتظر حتى يفتح الله عليها وتقرر ما تراه في مصيرنا ومصير المنطقة! هذا يحدث عندنا، أما في أمريكا وفي دول العالم المتقدم فالأمر يختلف.. قد يكون الرئيس الأمريكي بوش جاهلا بالسياسة الخارجية، ولكنه يدير دولة مؤسسات. وقد يكون لشخصية الرئيس دورها.. ولكن في حدود سياسات تقررها مؤسسات الدولة. وقد تختلف السياسات (ولابد أن تختلف) وتتغير الأولويات (وغالبا ما تتغير) بتغير الادارة مع كل انتخابات.. ولكن ذلك لا يتم حسب المزاج وانما في حدود الثوابت التي تحكم علاقات الدولة بالعالم، والمصالح الأمريكية التي ينبغي أن تكون لها الأولوية على الدوام. ثوابت السياسة الأمريكية بالنسبة لنا منذ نصف قرن هي: ان اسرائيل هي الحليف الاستراتيجي الأهم لأمريكا ولذلك ينبغي أن يبقى الأقوى من كل الدول العربية مجتمعة، وأن البترول العربي ينبغي التحكم فيه ليصل للأسواق الأمريكية والغربية بأمن وسلام وبأرخص الأسعار، ولضمان تحقيق الهدفين الأساسيين ينبغي أن تظل الأمة العربية ممزقة، وعاجزة تستنزفها حروبها الأهلية أحيانا، والصراعات بين دولها أحيانا، والخطر الإسرائيلي دائما! وبدون الدخول في التفاصيل، فقد انتهت الخمسون عام الماضية من الصراع في المنطقة الى الوضع المأساوي الذي تواجهه الأمة العربية، والى قرار التقت فيه الادارة الأمريكية السابقة مع الرؤية الاسرائيلية بأن الوقت قد حان لتصفية القضية الفلسطينية، ولفرض الحل الإسرائيلي وتثبيت الخريطة الأمريكية للمنطقة التي تبقي الخليج بحيرة أمريكية، وتضمن السيطرة على البترول العربي، وتنتهز فرصة أن العرب في أضعف حالاتهم واسرائيل في قمة تفوقها لتشيع العروبة الى مثواها الأخير وتقيم الشرق أوسطية بهيمنة أمريكية اسرائيلية تحكم المنطقة الى أمد بعيد. وهكذا كانت مقترحات كلينتون الاسرائيلية الأصل والهدف، والتي يلوم بعض العرب الآن القيادة الفلسطينية لأنها رفضتها مع انها في رأيهم كانت ومازالت أفضل المتاح!! والحقيقة أن أفضل ما فعلته القيادة الفلسطينية منذ أصبحت سلطة هو رفضها لهذه المقترحات، هذا الرفض الذي كفرت به عن بعض الذنوب التي ارتكبتها في (أوسلو) وتوابعها. الرفض الفلسطيني من ناحية، واندلاع انتفاضة الأقصى من ناحية أخرى، واشتعال الموقف في الشارعين العربي والاسلامي ضد الحل الإسرائيلي الأمريكي من ناحية ثالثة. كل ذلك أرغم الأمريكيين على مراجعة الموقف.. كانت عملية المراجعة تتم في ظل انتخابات تجرى في أمريكا واسرائيل معا. واذا كانت قضية الصراع مع العرب هي جوهر المعركة الانتخابية في اسرائيل، فإنها كانت على الهامش في انتخابات أمريكا، بل لم تكن تمثل شيئا بالنسبة للمتصارعين في أمريكا، حيث كان المرشحان الرئيسيان (بوش وجور) يتباريان في تأكيد الدعم لاسرائيل واعتبار التحالف معها وضمان تفوقها على العرب أجمعين هو القاعدة الأساسية في سياسة كل منهما نحو المنطقة. وبدلا من أن تؤدي عملية المراجعة الى الاقرار بأن الحل العادل وحده هو الذي يضمن السلام ويوفر الأمن لكل الأطراف، ويضمن المصالح الأمريكية في المنطقة، أدت المراجعة الى أن القوة وحدها هي التي ينبغي أن تحسم الموقف! وبدلا من الاقرار بأن اهدار حقوق الفلسطينيين والاطاحة بقرارات الشرعية الدولية هو الطريق الشرعي لسيادة العنف وضياع الاستقرار.. أدت المراجعة الى اعتبار المقاومة الوطنية ارهابا يجب وقفه، واستغاثة الضحايا ترويعا لأمن القتلة يجب التصدي له. وبدلا من الاقرار بأن اغتصاب القدس هو امتهان لكل المسلمين والمسيحيين، وان انهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية هو وحده الذي يفتح باب التسوية السلمية.. أدت المراجعة الى تحميل العرب مسئولية فشل عملية التسوية، واعتبار باراك وكلينتون ضحيتين لمشروع سلام تحملا تبعاته بشجاعة ودفعا ثمن الاخفاق فيه عن طيب خاطر! والنتيجة الطبيعية لمثل هذه المراجعة أن تقود الى نتائج تقول إن كلينتون كان على خطأ، وأن باراك كان متسرعا، وأن الظروف لم تنضج للحل المطلوب.. أو أن العرب هم الذين لم ينضجوا بعد لهذه التسوية!! وينبغي هنا أن نقف أمام ملاحظتين هامتين: الاولى: ان عملية المراجعة لا تتأثر الا من حيث الأسلوب بمن يحكم واشنطن واننا كنا سنصل لنفس الموقف لو فاز جور في الانتخابات الأمريكية وأن لهجة بوش وهو يوجه الاتهامات لعرفات بالارهاب ويحمله المسئولية عما يجري على الارض الفلسطينية لا تكاد تختلف عن لهجة كلينتون اثناء وبعد كامب ديفيد الثانية. ونفس الشيء فيما يتعلق باسرائيل.. بدليل أن حزب العمل يشارك شارون في المذبحة التي تجري الآن. وأن بيريز يقوم بمهام العلاقات العامة لحكومة مجرمي الحرب، وأن بارك لو فاز لكان شارون هو وزير دفاعه. والملاحظة الثانية: إنه ليس صحيحا أن الادارة الأمريكية الجديدة ما زالت تبحث عن سياسة لها في الشرق الأوسط، وأنها تطلب مهلة لكي تصل الى السياسة المناسبة. هذا استهزاء بالعقول واستغفال للعرب، فنحن لا نتحدث عن بوركينا فاسو بل عن الولايات المتحدة الأمريكية، ولا نتحدث عن منطقة يمكن اهمالها بل عن منطقة تدخل في صميم الاستراتيجية الأمريكية وترابط فيها أساطيلها وتتكدس فيها مصالحها، وتعلم أن قوى أخرى تراقب وتترقب وتبحث عن موطئ قدم لها في هذه المنطقة الخطيرة. والذي لا يملك سياسة لا يبدأ عهده بإرسال طائراته لقصف العراق لإبلاغ رسالة واضحة تقول إن المصالحة العربية ممنوعة، والحصار على العراق لن يرفع، وعلى من يريد الحصول على رضا أمريكا يتبنى مقولة أن الخطر على العرب لا يأتي من اسرائيل بل من العراق! والذي لا يملك سياسة لا يبدأ عهده بالتأكيد على نقل السفارة الأمريكية الى القدس (العاصمة الأبدية لاسرائيل) كما فعل وزير الخارجية الأمريكي الجديد. ولا يغمض عينيه مع اعلان اسرائيل استئناف الاستيطان في القدس، ولا يستقبل السفاح شارون استقبال الفاتحين وهو يعلم أن مكانه الطبيعي أن يقف أمام محكمة مجرمي الحرب. والذي لا يملك سياسة لا يتحدى العالم فيستخدم (الفيتو) ليمنع مجلس الأمن من ارسال قوات تحمي الشعب الفلسطيني من المذابح التي يتعرض لها، غير عابئ بالقمة العربية التي كانت تنعقد في نفس اللحظة، والتي لم تجد مخرجا لها أمام شعوبها الا بإبداء الاستياء (فقط الاستياء) من الفيتو الأمريكي، وكان الرد أن يقف أحد موظفي الادارة الأمريكية ليستهزئ بالقمة العربية وقراراتها واستياءاتها! والذي لا يملك سياسة لا يعلن بالفم المليان أن اسرائيل تتعرض للعدوان، وأن الأطفال الفلسطينيين خطر على أمنها، وأن عرفات هو المسئول عن المذابح التي تجرى، وانه وليس شارون ارهابي، وأن عليه أن يوقف الانتفاضة والا فإن حرب الابادة الاسرائيلية على الفلسطينيين ستستمر، والدعم الأمريكي لها سيتضاعف! والذي لا يملك سياسة واضحة لا يستقبل أول رئيس عربي يزور الولايات المتحدة في ظل الادارة الجديدة وبعد القمة العربية بهذه الحملة المهووسة ضد مصر والتي يشارك فيها الجميع.. الكونجرس والصحافة والادارة الجديدة نفسها. وبموجب هذه الحملة المهووسة أصبحت مصر (متهمة) بعرقلة السياسة الأمريكية في المنطقة.. فهي التي شجعت الفلسطينيين على المقاومة، وهي التي رفضت (اقناع) عرفات بقبول ما لا يمكن قبوله، وهي التي يرفض شعبها التطبيع حتى الآن، وتقود صحافتها حملة كراهية ضد اسرائيل وصفها مساعد وزير الخارجية الأمريكية بأنها حملة (بغيضة وشريرة وغير مقبولة)! وبموجب هذه الحملة المهووسة أصبحت مصر (متهمة) بالمشاركة في جهود رفع الحصار عن العراق واتمام المصالحة العربية، و(متهمة) بالتغاضي عن الحملات التي تشنها الهيئات الشعبية لادانة السياسة الأمريكية والدعوة لمقاطعة المنتجات الأمريكية. وبموجب هذه الحملة المهووسة أعيد ترديد الأسطوانة المشروخة عن اضطهاد الأقباط في مصر، وعن المعونات الاقتصادية التي ينبغي أن تتوقف عقابا لمصر، والمعونات العسكرية التي ينبغي أن تلغى لأن مصر لا تواجه تهديدات عسكرية. وكأن على حدودها الشمالية دولة سويسرا وليس ترسانة الأسلحة النووية والكيماوية والتقليدية التي تحمل اسم اسرائيل! انها ملامح سياسية متكاملة يتم الاعلان عنها بفظاظة وعجرفة، وتنطلق من فكرة أساسية بأن حرب الخليج الثانية كانت علامة فارقة بين عهدين، وانها فتحت الباب على مصرعيه لترجمة انفراد أمريكا بزعامة العالم ووضع الخريطة الأمريكية للمنطقة موضع التنفيذ. وبهذا المفهوم فإن هذه الحرب لم تكن هزيمة للعراق وتدميراً لقدراته فقط، بل كانت هزيمة للعرب ونهاية لطموحاتهم واعلانا بإفلاس العروبة ذاتها.. ومن هنا انفتح الطريق الى مدريد ثم أوسلو، وانطلقت فكرة الشرق أوسطية من رقادها لترث العروبة، وأصبح الطريق ممهدا لترجمة (الهزيمة العربية) الى انتصار أمريكي إسرائيلي ساحق ونهائي. والذي حدث بعد ذلك أن الذين قادوا حرب الخليج في المعسكر الأمريكي خرجوا من الحكم مع هزيمة بوش الأب في الانتخابات أمام كلينتون، وهاهم يعودون بعد ثماني سنوات ليجدوا أن نتائج الحرب لم تتم ترجمتها في الواقع كما أرادوا، وأن عليهم أن يكملوا ما بدأوه في هذه الحرب. وبدلا من ادراك أن السبب في هذا الفشل يعود الى عقم التصورات الأمريكية لمستقبل المنطقة، فإنهم يعيدون الأمر الى أخطاء ادارة كليتنون التي لم تحسن استثمار نتائج الحرب ولم تعرف كيف تنضج الظروف على الأرض العربية لتقبل الهزيمة ونتائجها، وأدخلت نفسها في القضايا المعقدة للصراع العربي الإسرائيلي. فأيقظت روح المقاومة العربية، واصطدمت بثوابت العقيدة الصهيونية، وأوصلت الأمور الى المأزق الحالي. والحل وفقا لهذا التصور لا يأتي بالتخلي عن أهداف السياسة الأمريكية الثابتة التي تتصادم مع المصالح والأهداف العربية، ولا يأتي باحترام الحقوق، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ولا يأتي باقامة علاقات تبنى على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.. وانما الحل يأتي وفقا لهذا التصور بالعمل على (انضاج) الظروف لفرض الأمر الواقع على العرب. وهكذا يجرى الاعلان عن أن ما يدور على أرض فلسطين لا يمثل أولوية في اهتمامات الادارة الأمريكية، مع التأكيد على أمرين: إن الفلسطينيين هم المسئولون عن المذابح التي تجرى لهم، وأن التحالف الأمريكي الإسرائيلي الاستراتيجي هو الركيزة الأساسية للسياسة الأمريكية في المنطقة من الآن.. والى الأبد.. ولا يعني هذا الا شيئا واحدا هو اطلاق يد السفاح شارون وحكومته لمواصلة حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني، على أمل ارغامه على الركوع والتسليم بالأمر الواقع الإسرائيلي. ثم تلتقي حكومة بوش مع حكومة شارون في استبعاد التوصل لتسويات نهائية وتأجيل القضايا الاساسية الشائكة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، والاكتفاء بحلول مؤقتة تثبت الاحتلال وتطلق يد الاستيطان وتؤكد تهويد القدس، وترغم الفلسطينيين على الهبوط بسقف طموحاتهم ليقبلوا في النهاية وضعا مماثلا لأوضاع السود في جنوب أفريقيا في ظل النظام العنصري. وفي الوقت نفسه تعلن الادارة الأمريكية أن العراق هو أولويتها الأولى في المنطقة، وانها ستتناول قضايا المنطقة معا، وأن على العرب أن يبصموا على الارادة الأمريكية بأن العراق هو عدوهم وليست اسرائيل، وأنه مصدر الخطر حتى بعد تدمير أسلحته ومصانعه وتجويع شعبه.. أما الترسانة الاسرائيلية من الأسلحة فهي الخير والبركة ومصدر الأمان والاطمئنان في المنطقة! ولـ (انضاج) الظروف، فإن كل الضغوط ستتم ممارستها، لكي تدرك الأنظمة العربية أن عرقلة السياسة الأمريكية ستكلفها الكثير، وأن الهيمنة الأمريكية قدر مكتوب، وأن المصالحة العربية مرفوضة، ودعم الانتفاضة الفلسطينية ارهاب، وترك الشعوب تعبر عن رأيها وترفع راية المقاومة هو خطأ يجب تداركه، والتمسك بأوهام العروبة والعمل العربي المشترك تخلف، ومحاولة الخروج من بيت الطاعة الأمريكي سيكون ثمنها فادحا. وأخطر ما يواجهنا الآن هو زراعة الوهم بأننا امام فترة حيرة أمريكية وأن الأمور ستتغير حين تتفهم الادارة الأمريكية حقائق الموقف في المنطقة. وأن كل ما علينا أن نثبت حسن النوايا وأن نعلن اننا لن نخرج من بيت الطاعة الأمريكي، واننا سنوقف العنف!! ونحاسب الارهاب!! الذي يقلق الأمريكان ويزعج حمامة السلام شارون!! وبعدها سترضى واشنطن وتمتد حبال المودة بينها وبين العواصم العربية!! هذا هو الخطر وقمة التزييف والمغالطة.. فلا واشنطن تجهل حقائق الموقف، ولا اسرائيل ستتخلى عن عدوانيتها، ولا العرب سيحصلون على شيء الا اذا استعادوا روح المقاومة وأدركوا أن الخطر جسيم، وأنهم لو سمحوا للظروف بأن (تنضج) للحل الأمريكي الإسرائيلي كما تريد واشنطن الآن.. فإن الثمن سيكون المستقبل العربي بكامله. وقد تتغير الوسائل ويتغير الاشخاص، ولكن أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة ستبقى كما هي، وتحالفها الاستراتيجي مع اسرائيل سيبقى حجر الأساس في هذه السياسة، وسيطرتها على مقدرات العرب وثرواتهم سيظل محور التحرك الأمريكي في الحرب وفي السلام، والخيار أمام العرب واضح: اما المقاومة واما البقاء في بيت الطاعة الأمريكي حتى تنضج الظروف لاكتمال المأساة.