في هذا الزمن المادي الذي تفوح من بين زواياه رائحة المصالح الشخصية، تبدو بعض الاخبار والحكايات والقصص الانسانية حدثاً مثيراً ومختلفاً، فقد تغلغلت المصالح المتشابكة في تفاصيل ولون العلاقات الانسانية، فأصبح لزاماً على الكثيرين منا، وخاصة اولئك الذين اوجدوا للعاطفة والاحساس بالآخر مكاناً في قلوبهم ان يرحلوا بعيداً ويمدوا اشرعتهم المتهالكة لنسمات صافية لم تلوثها رياح الزمن المتغير. وتبدو الحكايات الانسانية الدافئة الحقيقية او التي صنعتها الآلة الاعلامية عن طريق الصدفة، تبدو تلك الحكايات امراً مثيراً ومادة تتلقفها وسائل الاعلام بشوق ويصبح ابطالها نجوماً يشار اليهم بالبنان، وحتى لا أسهب في مقدمة لاهثة اضع نقطة صامتة وابدأ الحكاية من أول السطر. الحكاية تقول ان المجتمع الألماني منقسم بين مؤيد ورافض والحق يقع على روبن هود او آرسين لوبين او اللص الشريف كما يحلو للكثيرين قوله، والذي تشير الحكايات الاوروبية القديمة انه كان يسرق من الاغنياء ليعطي الفقراء ويغدق عليهم، فقد فوجئ المجتمع الألماني بعودة روبن هود، الشخصية الاسطورية من جديد متمثلة في شخص هانز يورجن باجلسدورف البالغ من العمر 47 عاماً.. ولكن بشكل يواكب العصر الآلي المثير، وأصبح هانز الذي أطلق عليه الألمان اللص الشريف، اشهر من نار على علم بعدما صدر قرار فوري من بنك التوفير الألماني في بيلفيد بفصله من العمل بعد أن قضى ما يقارب من 28 سنة من العمل تدرج خلالها من موظف صغير الى رئيس فرع. وذكر المدعي العام الذي يحقق في قضية باجلسدورف ان الرجل كان يسرق الأموال من حسابات الاغنياء ويحولها الى الفقراء، كما اتهمه رئيس البنك بتقليد روبن هود. وقد تمكن روبن هود المصارف من إعانة حوالي 29 زبوناً من أصحاب الحسابات الفارغة على تحسين اوضاعهم المعيشية خلال خمس سنوات وألحق خسائر لم تحدد بعد بحسابات عشرات الأغنياء، وتسبب بخسائر للمصرف تقدر بأكثر من 4.6 ملايين مارك. وكان روبن هود المصارف قد بدأ توزيع هباته الكريمة في العام 1996 حينما طالب زوجان فقيران بالحصول على قرض من البنك، الا ان الادارة رفضت طلبهما بسبب وضعهما المالي المتعثر، فأعان اللص الشريف الزوجين عبر تحويل مبالغ كبيرة اختلسها من حسابات الأثرياء، ولم يشعروا بها بسبب ثرائهم الفاحش! هل تقف الحكاية هنا، هل كان هانز لصاً حقيقياً صاحب سوابق او مسجل خطر كما يقال؟ الاجابة جاءت مختلفة فقد امتدح موظفو البنك زميلهم المعتقل وقالوا انه كان مثال الاتزان والرقة والعطف على الزبائن، وأن اجتهاده في العمل كان وراء تقدمه في الوظيفة، وانهم يعتقدون ان زميلهم عمل كل ذلك بإنسانية، خاصة وان وظيفته جيدة ووضعه المادي والاجتماعي ممتازان ولا يحتاج ان يمد يده ليستأثر بشيء لنفسه! المثير في حكاية صاحبنا هانز هو ما أثارته الصحافة، اذ اخذت البعد الانساني في قصته وربطته بحكايات آرسين لوبين الأمر الذي جعل الذاكرة تعود من جديد لتلتقط ذاك اللون من القصص البوليسي الذي تدور بطولاته المثيرة حول رجال ذوي اهواء جامحة، أوتوا من الجرأة وسعة الحيلة ما جعل سيرهم مثار متعة القراء واعجابهم. وعلى الرغم ان تلك البطولات لا تقوم على غير التفنن في أساليب التلصص والاحتيال، الا ان مؤلفيها قد برعوا في أن ينفثوا فيها نفثات النخوة والاقدام ضاربين بذلك على وتر خفي خطير تحنو عليه نزعات البشر، وهذا هو ما فعله الاعلام في قضية هانز، اذ عملت دور النشر على اعادة طباعة القصص البوليسية التي تتحدث عن مثل هذا الأسلوب من السرقات ووظفت اسم آرسين لوبين في اعلاناتها المتكررة لعل وعسى ان تجد من يشتري في تلك الحمى التي تجتاح ألمانيا.. والواقع ان ذلك النوع من القصص الذي يقبل عليه اصحاب دورالنشر ليس بعيداً عنا، فقد حفلت مسامرات آبائنا بسير مماثلة الا أنها كانت اكثر طلاوة، وأصدق تعبيراً عن البيئات الاجتماعية، ففي الجاهلية كانت مسامرات العرب تدور حول اخبار الصعاليك، اولئك الفرسان الشعراء الذين كانوا يتصدون للقوافل، وفي العصر العباسي ذاع ذكر عمران بن شاهين وغيره من طائفة العيارين. ومن أطرف نوادر المحتالين تلك التي كانت تدور حول ابي الباز اللص الداهية ذلك لأنه كان يتسم بروح فكهة لعوب، فقد روى المسعودي جانباً كبيراً من دعاباته، ومن أبدع ما قصه المسعودي من نوادره قصته مع الخليفة المتوكل الذي استعان به لكسب رهان بينه وبين طبيبه جبريل بن بختيشوع قيمته عشرة آلاف دينار تعهد الطبيب بدفعها للخليفة اذا استطاع ان يبعث الى بيته من يسرق منه شيئاً خلال ليال ثلاث على أن يثبت ان ذلك الشيء ملك للطبيب، ولا يمكن ان يكون ملكاً لسواه. وانصرف الطبيب الى بيته فحصنه حتى أصبح كقلعة من القلاع، وما كان من أبي الباز الا ان قصد ذلك البيت ومعه شموع ومخدرات، واستطاع ان يهبط على حراسه في هيئة ملائكية، تكللها القدسية، ويشع منها الجلال، ولم يلبث ان خدرهم جميعاً، ثم خدر سائر أهل المنزل، ومنهم الطبيب، وعاد في تلك الليلة الى قصر الخليفة، ومعه صندوق كبير، فتحه على مرأى منه ومن ضيوفه، فإذا بهم يفاجأون بشيء لا يستطيع الطبيب ان ينكر انه ملك له، ولا يمكن ان يكون ملكاً لسواه، ففي داخل الصندوق شهد الجميع الطبيب نفسه، وكان مستغرقاً في سبات عميق.