قد يبدو التسوق كفعل يقوم به إنسان ما أمراً من أبسط الأمور. لكنه في الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. فعلى الرغم من أن الجميع أثناء عملية التسوق يمرون في البيئة نفسها، إلا أن ردود الفعل تجاه ما نراه ونلمسه ونشعر به قلما تتماثل لدى شخصين، هذا إذا تماثلت. فالتسوق يعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين في أوقات مختلفة. لقد أصبح التسوق اليوم نوعاً من المكافأة الذاتية والترضية، وقطع الوقت، وكعذر للخروج من البيت، وكتسلية. بل إنه قد يكون وسيلة للتثقف والاطلاع. وعلاوة على ذلك فإن التسوق قد يغدو لدى البعض إدماناً يسبب أكبر الأذى لحسابه المصرفي وحساب بطاقات ائتمانه. ولو أخذنا مثالاً الأشخاص الذين هاجروا من بلادهم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتوجهوا إلى الولايات المتحدة أو غيرها من المجتمعات الاستهلاكية، لرأيناهم جميعاً يقفون مذهولين أمام البضائع المعروضة في المحلات التجارية. فقد اعتادوا في بلادهم الأصلية على القليل من المواد المعروضة بصورة فجة. مثل هؤلاء الناس يصبحون بن عشية وضحاها مدمنين على التسوق، مدفوعين برغبة جامحة في تجربة كل شيء، ومهما كان الثمن، أو كانت العواقب. والفروق في السلوك البشري تجاه عملية التسوق كثيرة للغاية، على المستوى الشخصي. ولو حاولنا النظر إلى المتسوقين كمجموعات بشرية، فسنجد بينها فروقاً أيضاً. فالنساء عموماً أمهر من الرجال في ذلك، لأن الرجال يندفعون للشراء بدون تفكير غالباً. وهناك فروق كذلك بين المجموعات مختلفة الأعمار من الجنسين. كما أن الإحصائيات الخاصة بتجارة التجزئة عموماً لا تبقى ثابتة مع مرور الزمن. فالأطفال قبل خمسة عقود كانوا يشاهدون في محلات السوبر مارك من دون أن يأخذهم أحد بعين الاعتبار. أما اليوم، فهم يدخلون في معادلة الشراء مثل الكبار تماماً. وكذلك الأمر بالنسبة لكبار السن، وخصوصاً المتقاعدين منهم. فهؤلاء في العادة يملكون الوقت والمال للتسوق، وهلم جراً. الرجال يتسوقون أيضاً هناك خرافة قديمة مفادها أن الرجال لا يشعرون بميل خاص للتسوق. ولذلك فإن معظم تصاميم مواد التغليف والإعلانات وحتى تصميم المحلات موجه نحو المتسوقات من الجنس اللطيف. وقد تكون النساء أكثر استعداداً فطرياً للشراء، لأنهن يحببن السير ببطء وفحص البضاعة ومقارنة الأسعار والاستفسار من الباعة وقياس الثياب وتجربة مختلف السلع، حتى لو كن بالأساس قد خرجن لشراء بعض الضروريات اليومية التي قد لا يكون في شرائها أية متعة. ولذلك، فإن عملية التسوق توكل تقليدياً للمرأة. والمرأة عادة تفتخر بقدرتها على الشراء بحصافة وتمعن. لكن الدراسة أثبتت أمراً مختلفاً إلى حد ما. فمعظم النساء الأمهات اللاتي سألناهن قلن أنهن يعرفن أسعار منتجات الأطفال عن ظهر قلب، حتى أنهن لا يحتجن للتأكد من الأسعار. وقد اكتشفنا أنهن في الغالب كن مخطئات في أسعار المواد التي سألناهن عنها. ومع تغير دور المرأة، ودخولها معترك العمل من أوسع أبوابه، فإن سلوكها التسوقي تغير أيضاً، وأصبح أشد قرباً من سلوك الرجال التسوقي. لكن هذا لا يمنع أنهن مازلن يشكلن قوة التسوق الرئيسية في المجتمع. الرجال، مقارنة بالنساء في متاجر التجزئة، أشبه ما يكونون بقذائف المدافع المنطلقة. فالرجل عموماً يتحرك أسرع من المرأة بكثير عبر ممرات المتجر، ويقضى وقتاً أقل بكثير في تفقد البضائع. والحقيقة أنه يكاد يكون من المستحيل أن يقوم الرجل بتفحص سلعة لم يكن قد فكر بشرائها أو قدم لشرائها أصلاً. والرجل يكره أن يسأل عن مكان مادة معينة (ربما كي لا يتهمه أحد بالجهل) أو أن يستفسر عن أي شيء. وكم شاهدنا رجلاً يدور في المحل دورة أو دورتين، فإن عثر على بغيته، اشتراها، وإلا تخلى عن الفكرة من أساسها وغادر المحل خالي اليدين. عندما يذهب الرجل للتسوق، فإنه يشتري عادة من دون تفكير. وإذا قاس قطعة ثياب وناسبته، ففي الغالب سيشتريها، على عكس المرأة التي قد تقيس عدة أشياء، ولا تشتري أياً منها، على الرغم من أن المقاس ناسبها، لاعتبارات أخرى. لقد دلت الإحصائيات التي أجريناها على أن 65% من الرجال يشترون الثياب التي قاسوها، مقابل 25% من النساء. ولذلك، فإن محلات الثياب تزيد عادة غرف قياس الرجال وتضعها قريبة من أمكنة عرض الثياب الرجالية وبحيث لا يمكن لمن يبحث عنها إلا أن يراها، لأنه إذا كان على الرجل أن يبحث عنها أكثر مما ينبغي، فقد يقرر فجأة أن الأمر لا يستحق ذلك العناء، ويتخلى عن فكرة الشراء. في إحصائية ثانية اكتشفنا أن 86% من النساء ينظرن إلى سعر البضاعة أثناء التسوق، مقابل 72% من الرجال. فالرجل يتجاهل السعر لاعتقاده أنه لو فعل ذلك، خاصة ب وجود نساء، فسوف يعتبر الأمر امتهاناً لرجولته. ولذا فإنه من الأسهل جدا أن يدفع الرجال أثماناً مضخمة أو لا يسعون للحصول على خصومات لمشترياتهم. كما أن الرجل يتقبل أي اقتراح من الباعة مهما كان في الغالب، لأن همه الأول يكون محصوراً في الانتهاء من الشراء والخروج من المحل. الشراء دون روية إلا أن مجمل الحقائق الخاصة بالسلوك التسوقي للرجال أخذت تتغير. الرجل عموماً أصبح يتزوج في سن أكبر من قبل، ولذا إنه يبقى وحيداً فترة أطول، ويضطر لتعلم شراء أشياء لم يحلم أبوه من قبله بشرائها. وعندما يتزوج امرأة عاملة، فسوف يضطر إلى تولي نصف مسئولية الشراء. ولا شك أن هذا سيقودنا إلى نتيجة مهمة. فالمنتجون وتجار التجزئة ومصممو المحلات سيكون عليهم أخذ تلك الحقيقة في اعتبارهم من الآن فصاعداً. ومن يفعل ذلك، فسيربح المنافسة ضد من يتجاهل هذه الحقيقة. ما الذي يميز السلوك التسوقي لدى الجنسين؟ ربما يكون السوبر ماركت أفضل مكان لرؤية الفوضى التي تحيط بعملية التسوق عند الرجل. فقد وجدنا أن معظم النساء يدخلن ومعهن لوائح أعددنها مسبقاً لما يحتجن لشرائه، فيما كان أقل من ربع الرجال يحمل تلك اللوائح. وفي الغالب ينتهي الرجل وقد نسي بعضاً من المواد التي قدم لشرائها، وملأ عربته بأشياء أخرى لم تكن بالحسبان. ولذا تحاذر كثير من الزوجات اللواتي لديهن ميزانية محددة لمصاريف البيت إرسال أزواجهن إلى السوبر ماركت وحدهم، أو مع الأطفال. فليس هناك متعة لدى الأب أعظم من أن يمارس دور المعيل، حتى في السوبر ماركت. إن محلات السوبر ماركت هي أفضل ما يمكن أن نطلق عليه اسم متاجر الشراء دون روية. وقد ثبت بالأرقام أن ما بين 60-70% من المشتريات لم يكن مخططاً لها بالأصل. كما أن معظم هذه الزيادة في المشتريات تتم على أيدي الرجال الذين لا يمكن أن يقاوموا توسلات أطفالهم. وحتى عندما يكون الزوجان بصحبة أطفالهما، فإن ما سيحصل عليه الأطفال في نهاية عملية التسوق سيزيد بصورة ملحوظة عما كانوا سيحصلون عليه فيما لو كانوا مع أمهم فقط. لقد وجدنا أن 17% من الرجال الذين قابلناهم في محلات التجزئة لم يكونوا قد خرجوا من منازلهم بنية الشراء. وقد أجمعوا على أنهم دخلوا هذا ا لمحل أو ذاك عندما قادتهم أقدامهم إليه بالصدفة. ومن المهم هنا أن ندرك أن أقسام الكمبيوتر والإلكترونيات لعبت دوراً أساسيا في هذا التحول. فأجهزة الكمبيوتر وبرامجها احتلت مكان السيارات وتجهيزات الستيريو في أذهان الرجال. وزياراتهم لها لا تكون بقصد الشراء عادة، لكن بهدف جمع المعلومات. فهم يبحثون فيها عن أية نشرات خاصة بمنتجات جديدة، ويطالعون اللوحات الترويجية والإعلانية بتمعن ولهفة. وهذا يؤكد حقيقة أن الرجال وانطلاقاً من السبب نفسه الذي يمنعه من السؤال عن الطريق يفضلون الحصول على معلومات عما يريدونه قبل الشراء وليس أثناءه. مظاهر الاختلاف ما هي مظاهر الاختلاف الأخرى بين الجنسين، وكيف تتضح؟ لو افترضنا وجود متجر يبيع نوعاً واحداً من البضاعة، وليكن الهواتف النقالة (الموبايل). فإن الأنثى بصورة عامة ستدخل مباشرة إلى البائع وتسأله عما تريد، وتتوقع منه شرحاً مستفيضاً. الرجل في المقابل سيدخل مباشرة إلى واجهات العرض، يتفرج ويمعن النظر، ثم يأخذ ما أمكن من النشرات التوضيحية ويغادر المتجر في العادة من دون أن يتكلم مع أحد. وقد تبين أيضاً أن الرجل يعود إلى المحل في المرة الثانية ليشتري، إلا إذا شاهد في هذه الزيارة الثانية شيئاً جديداً. أما المرأة فتحتاج في العادة إلى زيارة مماثلة لكي تشتري جهازاً. ويمكن التعميم بأن الرجال مازالوا هم الذين يتخذون القرار بالنسبة لشراء السيارات، (من الواضح أن أهمية رأي المرأة في هذا الموضوع تتزايد باستمرار)، وكذلك ما يتعلق باللوازم التي تستخدم خارج المنزل، تاركاً للمرأة حرية القرار بالنسبة لجميع ما يستخدم في الداخل. وعلى كل حال، وعلى الرغم من أهمية الدور التسوقي للمرأة، فإن الرجل أخذ يلعب دوراً متزايد الأهمية في العقود الأخيرة. بل إنه قد يلعب دوراً تأثيرياً سالباً في العملية. ولنوضح الموضوع، نلقي نظرة على المقارنة التالية: متوسط الوقت الذي تقضيه السيدة في متجر للأدوات المنزلية: إذا كانت بصحبة سيدة أخرى: 8 دقائق و15 ثانية إذا كانت مع أطفالها: 7 دقائق و19 ثانية إذا كانت وحدها: 5 دقائق و2 ثانية إذا كانت مع زوجها (أو مع رجل): 4 دقائق و41 ثانية. كما لاحظنا خلال مراقبتنا لذلك المحل أن السيدة عندما تكون وحدها فإنها تحزم أمرها بسرعة أكثر ولذلك فإنها تحتاج لوقت أقل مما لو كانت مع سيدة (دردشة ومشاورات وفرجة على كل شيء) أو لو كانت مع أطفالها، حيث سيأخذون الكثير من انتباهها وتركيزها. أما مع الرجل، فسوف تتعجل جولتها داخل المحل لأنها تعلم من تجاربها السابقة أنه سوف يمل بسرعة. طريقتان كيف نستفيد من هذه الظاهرة السلبية لنحقق نتيجة إيجابية للمحل والمتسوقات على حد سواء؟ هناك طريقتان لذلك. الأولى هي قيام المحلات التي تتاجر ببضائع تهم المرأة بتخصيص زوايا وثيرة مزودة بمجلات مشوقة (وحديثة دوماً) وتلفزيون، وجهاز يقدم القهوة والشاي مجاناً. والطريقة الثانية هي أخذ الموضوع بعين الاعتبار عند تصميم المحل. وهكذا يمكن مثلاً إضافة قسم صغير عليه يختص ببرامج الكمبيوتر أو الأشياء الأخرى التي تثير اهتمام الرجل، والتي لا يشعر بالملل إن قضى نصف ساعة يتفرج عليها (أو يشتريها) ريثما تنجز زوجته تسوقها. وبطبيعة الحال فإن الشيء نفسه ينطبق لو كان المحل مخصصا للرجال. فعندها ينبغي إدخال جناح صغير ضمنه يعرض أحدث المنتجات التي تثير فضول المرأة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية اختيار ذلك الجناح أو القسم، لأنه يجب أن يكون من السهل العثور عليه أولاً، وبعيداً عن المدخل ثانياً كي لا يشعر الرجل أو المرأة أن هذا الجناح أو القسم قد أعطي لهم لأنه لا يمكن الاستفادة منه بشيء. لقد وجدنا عبر مراقبتنا للعديد من المحلات أن الرجال يمضون لسبب مجهول نحو القسم الذي يبيع الزجاجيات في المحل. كانوا يبتعدون حتى عن أقسام الثياب الرجالية والأحذية والتي وضعت خصيصاً لإغرائهم ويتجهون للوقوف طويلاً أمام رفوف المصنوعات الزجاجية. والحقيقة أن الأمر قد يختلف من مدينة لأخرى ومن دولة لأخرى. فما يثير فضول واهتمام الرجال أو النساء هنا ليس ضرورياً أن يحقق ذلك هناك. ولذا فقد يكون من الأفضل إجراء دراسات مستقلة حول الأماكن التي يفضلها الرجال في المحلات الكبرى، وتصميم أقسام خاصة بتلك البضائع في المحلات المختصة ببيع البضائع التي تهم أحد الجنسين فقط.