لطالما دعت السياسة الفلسطينية لتوفير حماية دولية للشعب الفلسطينى فى الأرض المحتلة عام 1967 غير أن هذه الدعوة ألحت بقوة فى معمعة الانتفاضة المتفاعلة منذ أواخر سبتمبر الماضي، وما تضمنته أحداثها من ارهاب اسرائيلى ألحق أضرارا مأساوية بكل مظاهر الحياة هناك. وفى تطور لافت، أضحت الدعوة الفلسطينية مطلبا عربيا جماعيا، بعد أن نص عليها البيان الختامى لكل من قمتى القاهرة (أكتوبر 2000) وعمان (مارس 2001) وللتذكير جاء فى بيان عمان (يؤكد القادة العرب مجددا مطالبتهم لمجلس الأمن بضرورة تحمل مسئولية الحماية الدولية اللازمة للشعب الفلسطينى الرازخ تحت الاحتلال الاسرائيلي، وتشكيل قوة دولية لهذا الغرض. ويطالبون الدول الأعضاء فى المجلس، وخاصة الدول دائمة العضوية، اتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ ذلك). هذا الدأب الفلسطينى والعربى يشى بوجود حكمة بالغة خلف مطلب الحماية، ومما يقال فى ذلك أن الحضور الدولى تحت علم الأمم المتحدة سوف يعزز دولنة القضية الفلسطينية، وسيؤكد بقاءها على الأجندة العالمية، وسيفضح بشكل دائم الانتهاكات الاسرائيلية للقانون الدولى وشرعة حقوق الانسان. وسيشكل رادعا ماديا ومعنويا أمام الاعتداءات الاسرائيلية على العباد والبلاد فى الضفة وغزة والقدس. هذا فضلا عن احتمال تحول التدخل الدولى غير المسلح للمراقبة والردع الى نمط أكثر فاعلية فى مرحلة لاحقة. ومع حصافة هذه المبررات، إلا أنها لا تبدو مقنعة بما فيه الكفاية بالنسبة للرؤية الأكثر عمقا وتدبرا، وربما أمكن جرحها من نواح مختلفة. فمن ناحية أولى، فإن القضية الفلسطينية تعد منذ عقود (مدولنة) اذا جاز المفهوم على نحو معقول. وليس ثمة من محفل دولي، أو حتى اقليمى ينكر صفتها الدولية هذه، والتداعيات المحتملة لاستمراريتها كجرح مفتوح على السلم والأمن الدوليين، فى منطقة شديدة الحساسية لمصالح عالمية لا حصر لها، منطقة (الشرق الأوسط). ومن ناحية ثانية، لا يمكن الادعاء بغياب فلسطين عن الأجندة الدولية.. ومن يفعل ذلك، يتجاهل أحد أبرز فضائل اعادة تبلور الحقيقة السياسية الفلسطينية، القائمة على تضحيات جسيمة خلال العقود الأربعة الماضية. ولعل التساؤل الأوجه والحال كذلك، هو كيف أمكن، وكيف يمكن أيضا، استثمار هذه الفضيلة فى مساهمة المجتمع العالمى فى تحرير فلسطين، عوضا عن متابعة أحوالها تحت الاحتلال. ومن ناحية ثالثة، فإن فضائح الممارسات القمعية الاسرائيلية وعصيان اسرائيل للقوانين الدولية، وعدم انصياعها لمقررات التنظيم الدولى وعلى رأسه الأمم المتحدة ذاتها، هذه الأمور ومثلها تكاد تكون حديث المنتديات المدنية والسياسية فى جهات الدنيا الأربع. ومؤخرا تكفلت العولمة الاعلامية، لاسيما عبر الفضائيات، بنقل الجرائم الدولية الاسرائيلية بحيثية لا نظير لها، مباشرة على الهواء، ولا نحسب أن تقريرا من مراقبين دوليين سيضيف كثيرا الى هذه الحالة. الدنيا بأسرها تعرف أى سلوك وجناية تقترفها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وما يعوز العرب عموما فى هذا الاطار، هو تجيير هذه المعرفة نحو فعل يستهدف ازالة الاحتلال الاسرائيلى الذى يسمح بحدوث الانتهاكات. ومن ناحية رابعة، ليس لدينا ولا عند أحد فيما نتوقع، دليل على أن الوجود الدولى فى فلسطين، أو فى جوارها، أمكنه ردع السلوك العدوانى الاسرائيلى لا عن الفلسطينيين ولا عن أشقائهم العرب. تصدق هذه الملاحظة المخجلة بحق التنظيم الدولى على مدار عقود الصراع الصهيونى العربي. ففى الأربعينيات، قتل الاسرائيليون وسيط الأمم المتحدة (برنادوت) وفى الخمسينيات، تكررت الاعتداءات الحدودية الاسرائيلية على كل الدول العربية المحيطة، رغم وجود المراقبين وقوات الطوارئ الدولية. وفى الستينيات. حدث الشئ ذاته. وقصفت القوات الاسرائيلية الأراضى اللبنانية مئات المرات، وارتكبت مجزرة قانا (1996) تحت سمع الوجود الدولى وبصره بل وقتلت أكثر من مئة مدنى فى مقر القوات الدولية هناك. وبعد اتفاق أوسلو، لم تتوان اسرائيل عن قصف مدينة الخليل وممارسة جرائمها ضد الانسانية، مع أن المدينة بها مراقبون دوليون، والواقع فإنه من المثير حقا، أن يتم تجاهل الوجود الدولي فى غمرة القمع الاسرائيلى إبان انتفاضة الأقصى، الى حد أن أحدا لا يكاد يذكره أو يذكر به، وبانعدام فاعليته، مع أن اتفاق الخليل قد نص عليه (يناير 1997). علاوة على ذلك كله، فإن التعلق بأمل تدخل دولى ساخن لتطبيق الشرعية الدولية على الحالة الفلسطينية، هو فى اطار المحددات الدولية المنظورة والى أجل غير معلوم، أشبه بحلم ليلة صيف. لا نرغب بهذا التحليل وليس همنا، أن نقلل من شأن مطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، فهناك مزايا لدبلوماسى قانوني. منها مثلا ما جرى بالفعل من تشهير بالموقف الأمريكى غير الانسانى وغير القانونى باستخدام الفيتو ضد قرار الحماية. وكذا بيان تذبذب مواقف القوى الأوروبية بامتناعها عن التصويت على القرار. ثم إن كل قرار يضيف الى منظومة الحقوق العربية والفلسطينية، يظل رصيدا معتبرا لصالح الأطراف العربية قد يأتى يوم يسمح لهذه الأطراف بالاعتماد عليه. لكن الذى نود التأكيد عليه، هو عدم الذهاب بعيدا فى تجزئة الحقوق الفلسطينية واعادة الاعتبار لمفهوم شمولية هذه الحقوق. فالبوصلة التى يتعين الاستهداء بها هى دحر الاحتلال ذاته واستئصاله من الاقليم الذى ضمنته الشرعية الدولية للشعب الفلسطيني. كما ينبغى الحذر من أن يتحول مطلب الحماية إن تم تنفيذه الى حارس لهذا الاحتلال، وإدانة المقاومة. التخوف هنا، أن القوات الدولية قد تستخدم لتقييد مظاهر المقاومة، مثلما تستخدم لمتابعة انتهاكات سلطات الاحتلال. وعليه، فإنه لا تثريب على مطلب الحماية شريطة أن يقترن دون فصل أو إبطاء أو تأجيل، بمطالبة المجتمع الدولى بتطبيق الحقوق الفلسطينية المنصوص عليها فى متون قرارات الأمم المتحدة، عندئذ يكون الوجود الدولى فى فلسطين (المحتلة) مجرد إجراء مؤقت توازيه اجراءات تتعلق بازالة الاحتلال من الأصل. كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة