فى تلك اللحظة المشبعة برطوبة الملل والإنتظار تذكرت محمد بن عبد الله بن محمد ابراهيم اللواتى الطنجى الشهير بـ (ابن بطوطة) وقرأت على روحه المغامرة الفاتحة. كنت فى مطار (فرانكفورت) أنتظر الطائرة التى سأعبر بها المحيط إلى (واشنطن). لكن الانتظار طال وأمتد إلى ست ساعات.. فعلت خلالها كل ما يمكن أن أفعل.. قرأت جزءاً من سيرة المفكر الفلسطينى (إدوارد سعيد).. وأكملت رواية (فوضى الحواس) للأديبة الجزائرية (أحلام مستغانمى) التى استقبلها الأدباء والشعراء بالأحضان ثم طعنوها بالخناجر.. وشربت عشرة فناجين (قهوة).. وقلبت كل ما صدر من صحف وجرائد. وتفرجت على (السوق الحرة). وتبادلت الحديث مع أكثر من عابر(ترانزيت).. وفتحت الكمبيوتر ولعبت بعض ألعابه وتجولت فى معجزته الأخيرة.. (الانترنت)..لكن الوقت لايمر.. أو يمر بخطوات السلحفاة.. وكأنه صاحب دين يقف على رأسك وأنت عاجز عن السداد.. أو كأنه محتل على الطريقة الإسرائيلية ليس فى قاموسه كلمة (الرحيل).. فى تلك اللحظة تذكرت أشهر الرحالة فى التاريخ العربى.. (ابن بطوطة) وطلبت له الرحمة. لقد كان يخرج من بيته فى طنجة بالمغرب ولا يعرف متى سيعود ؟.. بينما نحن نشعر بالملل من الإنتظار لساعات فى إنتظار طائرة تعبر بنا الدنيا. وخلال هذه الساعات تملك عشرات الأساليب لقتل الوقت.. لكن الملل لا يفارقنا. معاناة ولكن! إن ابن بطوطة الذى ولد فى 24 فبراير عام 1304 خرج من (طنجة) وهو فى الثانية والعشرين من عمره قاصدا الحجاز لأداء فريضة الحج فعبر بمراكش والجزائر وتونس وطرابلس ومصر ثم عبر البحر الأحمر من الصعيد إلى فلسطين وسوريا حتى وصل إلى الحجاز.. فحج حجته الأولى.. ووصل إلى محطة النهاية بعد أكثر من سنتين.. فهل شعر طوال الشهور التى كان يتنقل فيها من بلد إلى بلد بالزهق مثلما نشعر إذا ما تأخرت الطائرة ساعة أو ساعتين ؟ لو كان قد شعر بالزهق ما كان قد عاود السفر. فبعد أن بقى فى مكة سنتين رحل إلى العراق وتركيا قبل أن يعود إلى مكة مرة أخرى ليؤدى فريضة الحج للمرة الثانية.. وبعد أن بقى فى مكة سنتين أيضا رحل من جديد ولكن إلى اليمن والجزيرة العربية والخليج. ثم عاد ليحج للمرة الثالثة. ثم خرج من مكة إلى بلاد الهند والسند وأفغانستان والصين. ولم يعد إلى بلاده إلا بعد حوالى 23 سنة.. حوالى ربع قرن قضاها على سفر. إن (ابن بطوطة) مثله مثل كل الرحالة المعروفين فى التاريخ الإنسانى العريض كانوا يغادرون بلادهم دون أن يثقوا فى أنهم سيعودون إليها.. ولم تكن وسائل المواصلات تزيد كثيرا على الدواب والمراكب المتواضعة. وتخيل أنك تسافر إلى دولة أخرى ولو قريبة مثل ليبيا على ظهر (حمار) وتخيل أنك ستقطع طرقا موحشة.. وأنك لن تقابل طوال الطريق إلا غرباء لا تعرف هل سيدعونك إلى العشاء أم سيجردونك من متاعك ؟.. وتخيل أنك لا تعرف لمدة شهور وشهور فى أى أرض ستمكث وفى أى مكان ستنام ؟ تخيل أنك تسافر دون أن تحجز مسبقا فى فندق.. ودون أن تطمئن على أن فى جيبك أكثر من بطاقة ائتمانية.. أو شيكات سياحية.. ودون أن تتأكد أن تليفونك المحمول يمكن أن يستخدم فى كل مطار تهبط إليه.. لقد دللتنا الحضارة الحديثة ووضعتنا على كفوف الراحة لذلك لن تتخيل ذلك. لن نتخيل (ابن بطوطة) وهو يشعر بنوبات من الانقباض والحزن التى يعترف بها فى كتابه (تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) الذى أملاه على الأديب (محمد ابن جزى الكلبى) وانتهى منه فى عام 1356 ميلادية. ولن نتخيل كيف واصل رحلاته فى بعض الأحيان والحمى تنهش فى جسده.. وهو يصف هذه الحالة فى الصفحات الأولى من كتابه قائلا : (وتجردنا للسير وواصلنا الجد وأصابتنى الحمى فكنت أشد نفسى بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف).. ولن نتخيل كيف استمر فى رحلاته بعد أن سرق اللصوص كل ما كان يحمل من ماء وطعام.. ولم تسعفه فى تلك اللحظات الحرجة بالطبع بطاقات النقود. البلاستيكية.. ولم يكن فى مقدور أحد إنقاذه بحوالات البريد أو البنوك المالية.. ولم يفكر بالقطع فى أن يتصل بأهله عبر الهاتف مستفيدا من خدمة النداء الآلى. لكن.. المعاناه كانت تكفى لأن يترك (ابن بطوطة) كتابا و احدا يخلد ذكراه حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وأتذكر أنه لاحظ أن (أهل مصر ذو طرب وسرور ولهو).. من يومنا.. وشاهد مرة (فرجة) عطلت الحياة فى مصر احتفالا بشفاء الملك (الناصر) من كسر أصاب يده.. (فزين كل أهل سوق سوقهم وعلقوا بحوانيتهم الحلل وثياب الحرير وبقوا على ذلك أياما تزيد على الأربعين). باحثون ام جواسيس؟ على أن الدنيا كانت بخير.. فالناس فى مصر فى تلك الأيام كانت تعطى للفقراء ما يحتاجون ففى (ملوى) بالصعيد التى كانت تسمى (منلوي) كان هناك إحدى عشرة معصرة للسكر.. وكان (من عاداتهم أنهم لا يمنعون فقيرا من دخول معصرة منها.. فيأتى الفقير بالخبز الحار فيطرحه فى القدر التى يطبخ السكر فيها ثم يخرجها وقد إمتلأت سكرا فينصرف بها) على حد وصف (ابن بطوطة). ولابد أن توافر الخبز المغطى بالكرم على هذا النحو هو ما جعل الرحالة يسافرون دون أن يعبأوا بمخاطر الطرق ودون أن يطمئنوا على أن حجز غرفة لهم فى فندق (خمسة نجوم) قد تأكد.. ودون أن يفتحوا حسابا ببصمة الصوت فى بنوك (سويسرا). إن الحياة الحديثة جعلت الإنسان قادرا على أن يفطر فى (القاهرة) ويوقع صفقة فى (بيروت) ويتناول طعام (الغداء) فى (باريس) ويشاهد فيلما للساحرة (جوليا روبرتس) فى (لندن) قبل أن ينام فى (القاهرة) مرة أخرى.. لكن فى المقابل كان الثمن غاليا.. التوتر والقلق والملل والزهق وعدم القدرة على التأمل والتذوق. والإنفعال الزائد الجاهز لأقل سبب. فكل شئ له ثمن. ولولا (ابن بطوطة) ما عرفنا أن الصينيين أول من استخدموا العملة الورقية.. أنهم على حد وصفه (لا يبتاعون بدينار ولا درهم وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك لا يسبكونه قطعا وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد (ورق) كل قطعة منها بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان).. ولولا (ابن بطوطة) ما عرفنا أن العملة التى كانت تستخدم فى السودان فى ذلك الوقت هي الملح.. (إن الملح كثير هناك وبالملح يتصارف السودان كما نتصارف بالذهب والفضة ويقطعونه قطعا ويتبايعون به).. ولولا جيل ابن بطوطة من الرحالة أو (الجوابين) العرب الذين لمعوا فى القرن العاشر الميلادى لما اتسعت مصالح الدولة الإسلامية ولما زادت تجاربها وثرواتها. فقد مهدوا للبعثات التجارية التى راحت تشترى الفراء من روسيا.. والحرير من الصين.. والعاج والمعادن من أفريقيا. إن معجم (البلدان) لياقوت الحموي و(عجائب البلدان) لأبى دلف بن مهلهل و(مروج الذهب) للمسعودى و(المسالك والممالك) لأبى عبيد البكرى لم تكن بلغة عصرها كتبا أدبية مسلية وإنما كانت كتبا سياسية استراتيجية تمهد لعلاقات وتوصل اليه سياسات. وهو نفس ما توصل إليه الدكتور (ثروت عكاشة) عندما قدم كتابه عن الرحالة الأجانب الذين جابوا مصر فى القرن التاسع عشر.. فقد كان منهم جواسيس مهدوا بما كتبوه من أدب رحلات للاحتلال العسكرى. فعادات الشعوب وحالاتها المزاجية والنفسية وطرقها فى ممارسة الحب هى عمل من أعمال المخابرات. فالسيطرة على مقدرات أمة تبدأ بفهم سلوك الناس فيها.. ولذلك لم أندهش عندما وجدت فى قائمة الأبحاث الإسرائيلية عن سيناء بحثا عن (القبائل البدوية فى جنوب سيناء) وبحثا عن (لماذا يرتدى البدو الرداء الأسود فى الصحارى الحارة ؟).. وبحثا عن (إفراز الغدة للعرق فى ماعز البادية الأسود).. وهى أبحاث لم نفكر نحن فيما هو أقل أهمية منها. وعندما تعرضت مصر لهوجة الأبحاث الأمريكية والإسرائيلية فى السبعينيات والثمانينيات وجدنا كل ما فيها قد تعرض للفحص والتصوير بكل أنواع الأشعة الحمراء والصفراء والبنفسجية.. ولم يكن مثيرا للدهشة أن نعرف أنهم اهتموا بدراسة (أسرار الكنيسة القبطية) و (كيف يعيش الأقباط فى قرى الصعيد ؟) و(نظام المواريث عند بدو منطقة حلايب وشلاتين).. وغيرها مما نعتقد أنه لا يستحق البحث. عاشق المجهول والأكثر شهرة بين الرحالة والجوابين هو (السندباد) إنه رمز خالد للسفر والترحال.. وهو مخلوق أسطورى لا يقدر على الحياة بعيدا عن المجهول. إن المجهول هو كلمة السر فى حياته ومغامراته وخرافاته.. لقد كان المجهول يناديه دائما فيلبى النداء.. كان المجهول يشده إلى الخطر فلا يتردد فى الإندفاع إليه.. ورغم المصاعب والأهوال التى كان يتعرض إليها فإنه كان يعود فى نهاية كل رحلة إلى بيته ووطنه.. يعود إلى الراحة والاستقرار.. لكنه..لا يلبث أن يسمع من جديد صوت المجهول يناديه ويدعوه إلى المغامرة..فيودع نعومة الحرير والنساء ويندفع من جديد إلى الأخطار والأسفار. وفى داخل كل منا سندباد صغير يحرضه على المغامرة وركوب الصعب والسفر إلى المجهول، يحرضه على إزاحة الغطاء والقفز من الفراش والإندفاع نحو ما لا يعرفه.. والمجهول قد يكون أرضا أو اكتشافا أو امرأة أو قرصا مخدرا.. ولأننا جميعا نستجيب لهذا النداء.. نداء المجهول فإن الدنيا تمتلئ بالرحالة والعلماء والأطفال والمساجين. وفى الحقيقة لم يعد نداء المجهول يثير الرغبة فى المغامرة. فكل شئ فى السفر مضمون ببوليصة تأمين. وكل شئ فى السفر محسوب مسبقا.. ومعروف مقدما. فأنت قبل أن تغادر مطار القاهرة تعرف رقم غرفة نومك فى الفندق. وشركة العلاقات العامة التى ستستقبلك عند باب الطائرة..وتعرف اسم سائق التاكسى الذى سينتظرك على باب المطار.. وتعرف حالة الطقس كل ساعة ستقضيها هناك.. ولو نسيت ملابسك فإنك تستطيع أن تشترى كل ما يلزمك على الحساب.. ولو ضاعت نقودك فإن أهلك يحولون لك ما تريد فى دقائق.. فأين المغامرة ؟ أين المجهول الذى كان يندفع إليه السندباد مضحيا بحياته فى سبيله ؟ لذلك فإننا نصاب بالملل ونحن ننتظر طائرة فى مطار فى حجم مدينة صغيرة وفيه كل ما يخطر على بالك وما لا يخطر من متع الدنيا مثل مطار (فرانكفورت) ونحن نشعر بالزهق والملل. لقد عشقت السفر منذ أن كنت على عتبة الجامعة.. رأيت الدنيا بعين شاب يضع فراشه على ظهره وينتقل من دولة إلى دولة بطريقة (الاتوستوب) أحلامى أكبر من نقودى.. ورغبتى فى المعرفة تتجاوز إمكانياتى.. رأيت (سويسرا) الارستقراطية التى تضع أنفها فى السماء.. ورأيت بولندا العاجزة عن التعبير الفنى الذى يميزها تحت سطوة أجهزة المخابرات الشيوعية. ورأيت بريطانيا العجوز وهى تجرى لنفسها جراحة شد البشرة.. ورأيت إيطاليا وهى تفرض سطوتها على العالم بطبق (اسباجتى).. ورأيت الدنيا بعين صحفى يبحث عن قارئ يرافقه فى السفر إلى القرن الافريقى المتورط فى الحروب الأهلية على أتفه سبب وإلى اليابان دولة الكوارث التى تقدم للدنيا بروفة ليوم القيامة إلى تركيا الحائرة بين عالمين وعصرين وهويتين وبين طعم (الفستق) ورائحة (الحشيش) إلى معظم ما تبقى من دول العالم بكل ما فيها حتى وجدتنى لا أشعر بالرغبة فى السفر. أو أشعر الوطن قبل أن أغادر مطار القاهرة.. بل إننى مع مرور الأيام والسنين تمنيت أن تكون رحلتى الأخيرة هى إلى الوطن الذى نعيش فيه وربما نموت دون أن نتجاوز حدود المكان الذى ولدنا فيه. ومن بين دول العالم التى زرت بعضها أكثر من مرة تظل أمريكا الأكثر إثارة والأقل مللا.. إنها قادرة فى كل مرة تزورها أن تنسيك ما سبق أن رأيت فيها. فهناك دائما ما يشدك إليها.. وما يغريك بالانبهار به.. مهما كانت تحفظاتك على سياسات حكوماتها.. وقد رأيتها أول مرة منذ عشرين سنة ولخصتها فى كلمتين (الجنة والنار) ومنهما وضعت عنوان كتابى عنها الذى فاز بجائزة الدولة (التقديرية) فى أدب الرحلات.. ثم رأيتها بعد ذلك أكثر من مرة.. ورأيت منها أكثر من وجه.. وعشت فيها أكثر من عالم.. وقابلت فيها كل الأجناس.. ومازلت أشعر بأن هناك جديداً فى انتظارى كلما سافرت إليها. وفى اللحظة التى راحت فيها تداعيات هذا المقال تتدفق على رأسى كنت فى الطريق إليها. كنت فى مطار (فرانكفورت) أنتظر الطائرة المسافرة إلى (واشنطن) لمتابعة أول اتصال سياسى مباشر بين القيادة السياسية فى مصر والإدارة الأمريكية الجديدة التى ستحدث على ما يبدو انقلابا فى منطقة الشرق الأوسط التى لا تحتاج إلى انقلابات أخرى.. فهى على الحافة. ومهما تكن متاعب الرحلة فإنها تستحق أن تحتمل. لكنه احتمال لا يقارن بكل المقاييس بما احتمله (ابن بطوطة) لذلك قرأت له الفاتحة وأنا أركب الطائرة استعدادا للجلوس لمدة 8 ساعات فقط على مقعد فوق المحيط.. وهى رحلة كنا سنقطعها أيام (ابن بطوطة) فى 8 سنوات لو كانت لدينا الشجاعة للقيام بها. ـ كاتب مصري