يعتقد القائمون على أمر القطاع الخدماتي في الدولة عندنا، ان الناس تتعامل مع هذه الخدمات بعقلية استسلامية، او هكذا يجب ان يكون الأمر، باعتبارها خدمات مجانية تتحمل تكاليفها الدولة كاملة، وما على أفراد المجتمع سوى تقبلها برضا وشكر دون حتى مجرد التفكير في نقدها او الاحتجاج على مستواها ونوعيتها وطريقة تقديمها وأنماط تعامل الموظفين الحكوميين مع أفراد المجتمع أثناء تقديمهم لهذه الخدمات، وهو اعتقاد خاطئ تماماً، وبعيد عن المنطق الانساني والاداري، ويحتاج الى مراجعة. في دول كثيرة في العالم نزورها او نسمع عنها او تنقل لنا تجاربها اجهزة اعلامنا المحلية، نعرف الكثير عن مستويات الخدمة المقدمة في مرافق التعليم والصحة والطيران، والفنادق، والاعلام والترفيه والطرق و...الخ، ونعلم بأن هناك دوافع تجارية ربحية تدفع دائماً نحو تحسين مستوى الخدمة نظراً لوجود التنافس بين المؤسسات لانعدام الاحتكار بسبب نظام الخصخصة وحرية التجارة وقوانين السوق الرأسمالي.. الخ، حتى وصل الأمر في باكستان اخيراً الى خصخصة طيرانها وبريطانيا الى بيع سجونها، بينما مازلنا نحن نتلقى خدمة حكومية نحسد عليها في مجال التعليم والصحة والمساكن والاعلام. نحن بالتأكيد لا نطالب بخصخصة مرافق الخدمات الاجتماعية الحيوية وخاصة التعليم والصحة والمساكن، لكننا نقول بأن هذه الخدمات من الضرورة بحيث تحتاج الى تطوير مستمر وبحيث يصبح التطوير جزءاً من صلب تقديم الخدمة، خاصة وأنها خدمات تقدم في بلد يندرج ضمن البلدان الغنية وافراده يصنفون ضمن اكثر سكان العالم في مستويات الدخل الفردي، وعليه فنحن نتساءل أنقدم خدماتنا بمستوى يتناسب مع امكانياتنا حقاً؟ بحيث تشمل المستوى المتطور لتقديم الخدمة كل عناصر الخدمة من حيث من يؤديها، طريقة تأديتها، الوقت المستغرق، طريقة التعامل، الادوات المستخدمة... الخ. نحن على سبيل المثال مازلنا نعاني من غرف انتظار رديئة المستوى في مستشفياتنا، ومن مواعيد لا يمكن احتمال انتظارها، ومن باصات مدارس سيئة التجهيز، ومن خدمات مساكن شعبية غير مرضية، ومن طوابير بطالة بين الشباب المواطنين في بلد نسبة سكانه اقل من 18%، ومن سلوكيات لا تطاق في الشارع من قبل سائقي السيارات، ومن سلوكيات غاية في العجب تحدث في مدارسنا ومن قبل مدرسينا وضمن مدارس يقال بأنها نالت جوائز في التميز والعبقرية التعليمية، ومن مدارس تعليم خاص يحدث فيها العجب العجاب بينما رقابة الوزارة لا ندري اي هي؟ ولو عددنا لما انتهينا! يحدث في كل المجتمعات ان يكون هناك تقصير، وهو أمر طبيعي ربما، لكننا في ظل ثورة الجوائز وشهادات التميز يفترض ان نحظى بمستوى خدمة عالي المستوى، نحن للأسف حتى اليوم ليست لدينا مراكز لرصد آراء الناس ورصد ظواهر المجتمع «مراكز الابحاث واستقصاءات الرأي» كما لا توجد لدينا مراكز بحوث في مؤسسات الدولة الخدمية لتطوير خدمات الصحة والتعليم... والخ. اننا ـ على سبيل المثال ـ مازلنا نعاني من تعليم يتخبط بين التطوير المبالغ في طموحاته ونظرته للمستقبل وبين النمط التقليدي في وسائله وأهدافه ومناهجه ومعلميه، والتخبط يعود الى أننا مازلنا نعتقد ونعمل وفق هذا الاعتقاد، بأن التطوير هو شراء الأجهزة والتهافت على الخبراء وبرامج الأمم المتحدة فقط، متناسين العنصر الرئيسي الذي يتحتم عليه قيادة التغيير: الانسان، هذا الانسان «المعلم، الاداري، الموظف، الطبيب، الصحفي..» الذي بدون تغيير أنماط سلوكياته، وذهنية تعامله مع برامج التطوير والتميز في جوائزه، باعتبارها خطوة وأداة نحو تراكم حضاري ثقافي نؤسسه لهذا المجتمع ولأجياله القادمة، وليس مجرد تسابق محدود لنيل جائزة واعلان تهنئة في الصحف! اننا بدون صياغة هذه العقلية نصبح كمن يحرث في البحر ويزرع في قلب العاصفة!.