مفاتيح، موبايل، نظارة شمسية، قلم ذهبي، بنطال داكن، قميص فاتح، ربطة عنق ملونة. هذه الاشياء تكفل لك دخلاً يتراوح بين ألف الى ألف وخمسمئة دولار شهرياً كمعدل وسطي لطبقة الموظفين الديناميكيين. لا تهم طبيعة اداء العمل، المهم تحقيق هذا المظهر الاستعراضي الذي صار عنواناً عاماً لطبقة الموظفين الشباب الذين ينخرطون في سوق العمل بحثاً عن حياة أفضل. كما لا يهم لماذا يظهر هؤلاء بهذا المظهر طالما يتحقق المطلوب من اقناع وثقة وشكل لائق لمقابلة الآخرين، فالمهم هو ان تتحقق المعادلة: موظف نظيف وأنيق يعني عملاً جيداً ورضاً وظيفياً. هذه الصورة المشهدية يمكن للقارئ ان يراها في معظم الأسواق او المحال الكبرى، او المقاهي أو المطاعم او الفنادق تزينها ابتسامة عذبة صارت علامة من علامات ارتخاء الخدين وتهدل الحاجبين لأن الموظف الأنيق يضطر الى استخدام تلك الابتسامة حوالي ثماني ساعات يومياً حتى أصبحت تفصيلاً من تفاصيل الوجه، واذا كان لا يجيدها بشكل دقيق فهذا مرده الى حالة نفسية يمر بها لأنه مضى عليه في هذا العمل خمس سنوات دون ان يتلقى علاوة واحدة او كتاب ثناء وشكر رغم مواظبته على كي بنطاله وتلميع حذائه واختيار ربطات عنق من أجمل حقول وبساتين بومباي.. الا ان الادارة لا تراه! من كل تلك الصور البصرية والتحليلات الافتراضية نريد الوصول الى نتيجة تقول «الناس ينسون الداخل ويهتمون بالخارج» لان موظفا كفؤا دقيقاً في عمله لا يرى سوى الدفاتر والحسابات ولوائح شئون الموظفين وقرارات لوحة الاعلانات وختم الادارة وتوقيع المدير، سيتحول مع مرور الوقت الى رقم في سجلات الوظيفة اذا لم يتذكر عزاء او تهنئة او واجباً اجتماعياً او لفتة الى زملاء الغرفة وسؤالهم اذا ما كانوايحبون ان يحتسوا القهوة معه!. تلك النماذج التي فصلنا شكلها الخارجي هي قطيع العمالة التي تسم المجتمعات الحديثة سريعة النمو، كما انها تبقى اسيرة العمل الروتيني، فلا تحقق مكاسب ولا مناصب ولا ثروات لأن جل همها ان تنال رضا المدراء لذلك لو قمنا بجرد بسيط لأثرياء السنوات الاخيرة سنجد انهم جاءوا من مهن تقليدية او من مهن طموحة ارتقائية ولم تكن في حساباتهم الاشكال الاستعراضية او الرضا الوظيفي لأن الطموح والثبات لا يلتقيان او على الأقل لا يتوافقان، فالطموح مغامرة، والثبات قناعة تصل الى حدود الخوف! وليس وصفنا لما تقدم من ضرورات بصرية كالمفاتيح والموبايل والنظارة... الخ سوى انها احدى علامات فقدان الخصوصية ومعها تذوب ثقافة الفرد لانه ينخرط في التقليد والمحاكاة ويصبح واحداً من هؤلاء، من هم هؤلاء؟ لا احد يعطي اجابة صحيحة سوى انهم مجرد هؤلاء او انهم موظفو الشركة الفلانية او عمال المؤسسة الاستثمارية ولا اسماء لهم، وكأنهم بيادق في رقعة شطرنج كبيرة اسمها وظيفة مظهرية. E.mail: h-s-d@maktoob.com