لعل السؤال الذى يطرح نفسه بالحاح حول تكليف عبدالقادر باجمال تشكيل الحكومة الجديدة فى اليمن، يكمن فى مدى استيعاب ، الرئيس على عبدالله صالح للمشكلات الموروثة منذ زمن الائمة فى شمال البلاد ومرحلة الاستعمار البريطانى فى الجنوب، فضلا عن التحديات الجمة التى تواجه اليمن منذ قيام دولة الوحدة عام 1990؟ وهل بات الرئيس اليمنى على قناعة بفلسفة ورؤية استراتيجية جديدة للتغيير الجذرى والنهوض الشامل، أم أن الأمرلا يعدو مجرد شغل الفراغ بناء على طلب رئيس الحكومة السابق الدكتور عبدالكريم الايريانى اعفائه من منصبه بسبب المرض وكبر السن أم قبول منصب دولى فى احدى منظمات الأمم المتحدة؟ ورغم أن باجمال الذى ينتمى الى منطقة حضرموت المعروفة يتميز ابنائها التاريخى بالذكاء والثقافة والمرونة السياسية، تقلدا لعديد من المناصب القيادية فى الحزب الاشتراكى الذى حكم الشطر الجنوبى 27 عاما، وتدرج فى مناصب دولة الوحدة على مدى عشر سنوات، بداية من رئاسة الهيئة العامة للمناطق الحرة حتى تعيينه وزيرا للتخطيط فنائباً لرئيس الوزراء ثم وزيرا للخارجية، كما وأنه لعب أدوارا سياسية مقدرة فى اجهاض المؤامرة الانفصالية التى تعرضت لها الوحدة اليمنية، والانفتاح على دول الخليج، وابرام اتفاقية ترسيم الحدود المشتركة مع السعودية، لكن تظل هذه المؤهلات والانجازات قاصرة وحدهاعن انجاز المطلوب من مهام التطوير والتغيير، حتى لو طال التغيير والاحلال بعض وزراء الحكومة السابقة وضخ دماء جديدة من الكفاءات والمتخصصين، أو مراعاة التوازنات المناطقية، ذلك أن هذه التعديلات وان كانت تتعلق بتحسين الاداء وتوخى الشفافية السياسية، لكنها تظل عاجزة، حتى لو خلصت النوايا وصدق العزم، عن مواجهة التحديات وحل المشكلات جذرياً! والحقيقة المؤكدة التى لمستها عن قرب بحكم المعايشة والمتابعة لشئون اليمن أن الرئيس على عبدالله صالح حقق لنفسه مكانة مرموقة من الثقة والولاء الجماهيرى العريض ولعله من هنا كانت مخاطرة علي عبدالله صالح فى اختبار الانتخابات الرئاسية المباشرة من الشعب محكا ومعيارا لاختبار مدى شعبيته، وتفويضه بالتالى فى حسم مشكلة ترسيم الحدود مع السعودية التى لم يجرؤ أى رئيس يمنى من قبل على الاقتراب من حقول الغامها الموقوتة منذ توقيع اتفاقية الطائف بين البلدين عام 1934، خاصة وقد مهد لهذه الخطوة التاريخية، عندما ضرب نموذجا للشراكة المصيرية وحسن الجوار مع عمان عبر تبادل الأراضى بين البلدين واعادة ترسيم الحدود المشتركة بالتراضى والوفاق! ويحسب للرئيس على عبدالله صالح كذلك، اجتياز اليمن الآمن لمراحل الاصلاح الاقتصادى، رغم مايعانيه اليمن من تفاقم الأوضاع الاقتصادية بعد توقف سيل المساعدات والقروض الخارجية، وتضاعف معدلات البطالة اثر عودة زهاء مليون ونصف مليون عامل يمنى منذ اندلاع حرب الخليج الثانية، فضلا عن انقطاع تحويلاتهم المالية من العملة الصعبة، ومع ذلك لم تتوقف مشاريع البنية التحتية وتحويل عدن الى ميناء حر وتمويلها من دخل البترول الذى تم اكتشافه حديثا. والشاهد أن الرئيس اليمني كان بوسعه أن يستثمر الفرص التاريخية التى اتيحت له تباعا فى الولوج الى ساحة المشكلات الموروثة ومستجدات التحديات ومواجهتها فى حسم عبر استراتيجية مبرمجة، تفضى الى بناء دولة المؤسسات واجتثاث مظاهر التسيب والفساد والاختلالات الأمنية والحد من تصاعد النفوذ القبلى وشيوع ظاهرة حمل السلاح، والتدرج الزمنى والكيفى فى القضاء على عادة مضغ القات وفاقدها المروع من مدخرات الشعب وصحته ورفاهيته وساعات العمل والعطاء، ونحسب أن التفويض الذى منحه الشعب اليمنى للرئيس وحيازة. حزب المؤتمر الذى يتزعمه للأغلبية المطلقة فى مجلس الشعب، تؤهله ولا شك لخوض غمار عملية التطوير والتغيير المطلوب، فى اطار خطة ديموقراطية جديدة خلاقة ومبتكرة، تشارك فيها كل قوى الشعب وأحزابه ومنظمات المجتمع المدنى، تتحشد لتفعيلها كل طاقات وامكانات اليمن، أما الحديث عن احلال رئيس حكومة مكان السابق واستبدال الوجوه القديمة بالجديدة أو تغيير السياسات، فلا يعنى سوى تبنى خيار ترحيل المشاكل والتمويه على التحديات، وشتان بين عملية الاصلاح والترقيع وبين الحلول الجذرية الشاملة التى تستعيد لليمن السعيد سعادته واستقراره وتقدمه ومواكبته لمستجدات العصر! صحفي مصري