تأتي زيارة الرئيس مبارك في وقت عربي حساس وفي ظل ظروف تتميز بالانكفاء الأمريكي عن المساهمة في التوصل لحل يوقف العنف ويتابع المسيرة، السلمية بين العرب وإسرائيل. وتأتي الزيارة في وقت آخر يزداد حساسية تجاه الحالة العراقية. فالتصورات الأمريكية تجاه العراق لم تعلن بعد، وهي في طريقها للتبلور. إذن تأتي زيارة الرئيس مبارك في وقت تقف الإدارة على مفترق طرق رئيسي. ومن الواضح في هذه المرحلة أن الإدارة الأمريكية في طريقها لمواجهة المأزق ذاته الذي واجهته إدارات سابقة... فبينما انتقدت حملة الرئيس بوش ابان الانتخابات إدارة كلينتون في طريقة تعاملها مع الملف العراقي والملف السلمي، إلا أنها تجد نفسها أمام خيارات سياسية صعبة. فعلى جبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبالتالي العربي الإسرائيلي تتفاعل الأجواء الملبدة بما ينذر بمزيد من المواجهات والتوسع في الصراع. ومن البيّن أن الوضع الراهن بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن يتغير، وأن المواجهات سوف تستمر، بل إن إبقاء الوضع كما هو سيؤدي لمواجهات موسعة قد تمتد الى خارج مناطق السلطة الفلسطينية وتؤثر على دول محيطة بإسرائيل. وتبدو الولايات المتحدة متأثرة سلباً بما حل مع الرئيس كلينتون من تدخل وتوسط لحل الصراع ثم فشل ذريع. فالإدارة الجديدة تخشى من الفشل مما جعلها تترك الصراع يأخذ مجراه. فهي تتبع الآن سياسة الانتظار وذلك لكي لا تجد نفسها تمارس ضغوطاً مع إسرائيل أو تمارس ضغوطاً ترفضها السلطة الفلسطينية. في هذا المجال أنهت الولايات المتحدة عملية المخابرات المركزية الأمريكية في الأراضي المحتلة، وأنهت التوسط المباشر. بمعنى آخر تنتظر الولايات المتحدة من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني أن يصلا الى طريق مسدود في خياراتهما العسكرية والمسلحة. انزواء أمريكي ولكن هناك أسباب أخرى وراء الانزواء السياسي الأمريكي، من أهم هذه الأسباب التركيز الأمريكي الكبير على الوضع الداخلي وعلى الأخص الوضع الاقتصادي الذي تدهور مؤخراً. إذ يشكل الوضع الاقتصادي أهم تحدٍ يواجه الإدارة الجديدة، وهي تركز عليه من خلال تخفيف الضرائب وإعادة مبالغ كبيرة من الضرائب للشعب الأمريكي. كما أن إصلاح الحياة السياسية الأمريكية من خلال وضع ضوابط جديدة على التبرعات إبان الحملات الانتخابية يشكل هو الآخر جانباً من جوانب التركيز على الوضع الداخلي. ويمكن القول إن الابتعاد عن الشرق الأوسط يساعد الرئيس الأمريكي في تمرير الكثير من مشاريع الداخلية. فالكونجرس الأمريكي وعلى الأخص مجلس النواب من أكثر المؤسسات الأمريكية تأييداً لإسرائيل. العقوبات الذكية أما على الصعيد العراقي، فقد بدأت تتطور السياسة الأمريكية لصالح الأفكار التي حملها وزير خارجيتها الجديد كولن باول. والأفكار الجديدة سوف تدور حول محاولة إنقاذ العراق من نفسه، وذلك من خلال رفع العقوبات التي تؤذي العراقيين، والسماح بالسفر من وإلى العراق والسماح بالتجارة بسهولة أكبر. ولكن الإضرار الأمريكي سوف يكون متشدداً في تنفيذ العقوبات بشقيقها العسكري (التسلح) ومع إبقاء الأموال التي تجني من بيع النفط العراقي في حساب تابع للأمم المتحدة. وربما تصل الأفكار الأمريكية لمرحلة العمل على جدولة الديون الروسية والفرنسية من ذات الحساب. وفي هذا السيناريو يصبح التفكير بتسليح المعارضة العراقية أقل عملية تاركاً العلاقة مع المعارضة في إطار الدعم السياسي والمعنوي، الإعلامي والمالي. بمعنى آخر تبقى اجواء الضغط على النظام العراقي بينما ستفتح الأبواب أمام الشعب العراقي. محاولة إحياء الدور الأمريكي إن زيارة الرئيس مبارك تأتي في وقت حساس. وهي زيارة كما يؤكد الرئيس مبارك سوف تحاول إعادة إشراك الولايات المتحدة بما يساعد على عودة الفلسطينيين والإسرائيليين لطاولة المفاوضات. ولكن العودة للطاولة سوف تتطلب جهوداً كبيرة هذه المرة. وبينما الدور الأمريكي أساسي للعملية، إلا أن الدور المصري أساسي في ترتيب ملامح المرحلة المقبلة... إن العنف في الأراضي المحتلة، والأوضاع المتوترة في منطقة الشرق الأوسط، ومحاولة الرئيس مبارك قد تساهم في إحياء الدور الأمريكي وإعطائه واقعية جديدة. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة الكويت