هل بات صُنع قرارات التحرك الخارجي للولايات المتحدة عملية محتكرة لدى جنرالات البنتاجون وليس وزارة الخارجية أو حتى البيت الأبيض؟ إن حادثة اقتراب طائرة تجسس أمريكية ذات تكنولوجيا عالية من ساحل الصين الجنوبي تأتي في أعقاب سلسلة حوادث أخرى ذات طابع عسكري تعكس استقلالية شبه كاملة لجنرالات وزارة الدفاع الأمريكية من وراء ظهر الرئيس الأمريكي ومساعديه وأجهزته السياسية كوزارة الخارجية. لقد نفت الإدارة الأمريكية، كما هو متوقع في مثل هذه الحالة، أن الطائرة المشار إليها كانت تمارس عملاً تجسسياً... لكنه نفي أعرج يعكس الحرج الذي استشعرته الإدارة الأمريكية أكثر مما يعكس الحقيقة. فكبار المسئولين الأمريكيين، مدنيين وعسكريين، يقرون ابتداء بأنه بينما لم تنتهك الطائرة الأجواء الصينية فإنها كانت تحلق بمقربة من تلك الأجواء. وهنا موضع الريبة... فالطائرات تتبع سلاح البحرية الأمريكي وانطلقت من حاملة طائرات كانت بدورها تتجول على حافة المياه الإقليمية الصينية. ولذا فإن السؤال الذي تطرحه السلطات الصينية هو: لماذا اقتربت حاملة الطائرات أصلاً من المياه الإقليمية في بحر الصين الجنوبي؟ وكما ورد في الأخبار فإن الطائرة الأمريكية تصدت لها طائرة مقاتلة صينية وأجبرتها على الهبوط في جزيرة «هينان» الصينية. ومن ثم تحفظت السلطات الصينية على طاقم الطائرة الأمريكية المكون من 24 فرداً بعد أن احتجزت الطائرة نفسها. والأزمة السياسية الناشئة عن هذه الحادثة لن تبقى بلا تداعيات تفضي إلى توتر قد يكون خطيراً بين الولايات المتحدة والصين. وإذا أفرز هذا التوتر المرتقب اشتباكاً من نوع أو آخر بين الدولتين، فإن العسكريين الأمريكيين صُنّاع القرار هم الذين يتحملون وحدهم مسئولية ما حدث وما يتوقع أن يحدث. وأياً يكون الحال فإن الصين هي الطرف الذي سوف يخرج مستفيداً من الحادثة. فحتى لو انقشعت الأزمة بوسائل التعامل الدبلوماسي السلمي، فإنه لا يعقل إطلاقاً ألا تستفيد السلطات الصينية من وقوع الطائرة وطاقمها في أسرها. فمن المقطوع به أن هذه الطائرة ذات التكنولوجيا التجسسية المتقدمة سوف تخضع لفحص دقيق ومفصل من كبار الفنيين الصينيين المختصين للوقوف على أسرارها. ومن المقطوع به أيضاً أن اخصائيي الأمن الصينيين سوف يستفيدون من استجواب تفصيلي لكل واحد من أعضاء طاقم الطائرة... علماً بأن كلا منهم احتجز في غرفة لوحده. والحادثة تعيد إلى الأذهان حادثة مماثلة وقعت أوائل الستينيات على عهد الحرب الباردة عندما تمكنت سلطات الاتحاد السوفييتي من إجبار طائرة تجسس أمريكية على الهبوط حين كانت تحلق في الأجواء السوفييتية... وعرفت هذه الحادثة باسم «حادثة يو ـ تو) على غرار طراز الطائرة. وحينئذ أدت الحادثة الى تصعيد التوتر بين القوتين العظميين مما أدى بدوره الى مواجهة ساخنة بينهما بعد عام من الحادثة كادت تفرز حرباً عالمية ثالثة. ويبدو أن الولايات المتحدة لا تستوعب دروس التاريخ. كما يبدو أن جنرالات البنتاجون أسكرهم غرور القوة العالمية الأمريكية الى درجة اللعب بالنار. فالصين ليست العراق... والأجواء الصينية ليست مناطق «الحظر الجوي» التي تعربد فيها الطائرات الأمريكية كما يشاء لها الجنرالات المستهترون.