الاوضاع في العالم كله تشير الى ان تغيرا يحدث في السياسة الدولية التي تنتهجها القوى الكبرى الوحيدة التي يقال إنها مهيمنة على العالم ، الآن والدول الصغرى، ومن خلال المراقبة الدقيقة للحركة المتشابكة في العلاقات الدولية يبدو لنا أن مقولة «أمريكا صارت القطب الاوحد الذي يحكم العالم الآن»، ليست صحيحة على اطلاقها، وأن الصحيح أو الاقرب إلى الصحة ان تلك الهيمنة الأمريكية تتجلى عند الذين يبحثون عن دعمها المادي او العسكري، ويكون اعترافهم بهذه المقولة ليس نابعا من الحقيقة والواقع بقدر ما هو نابع من حاجتهم لهذا الدعم وفي بعض الأحيان نابع من محاولتهم تحييدها تجاه أوضاعها الداخلية. وربما كانت منطقتنا العربية هي الاكثر اعترافا بالهيمنة الأمريكية من سواها، سواء على المستوى الرسمي أو حتى على المستوى الفكري، فالمثقفون العرب يلتقي معظمهم مع مقولات بعض السياسيين في هذا الاتجاه، حتى من يميلون إلى فكر معارض للهيمنة الأمريكية باعتبارها القطب الاوحد بعد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق، يبدو انهم مقتنعون بهذه الهيمنة، أو غير قادرين على استيعاب انه بالامكان التعامل مع الولايات المتحدة كقوة كبرى، ولكن مع الاخذ في الاعتبار ان المصالح الوطنية المحلية على مستوى الدولة، أو على المستوى العربي العام تحتم وضع اطار لهذه العلاقة يسمح بالتعامل معها كقوة تتجاور الى جانب قوى اخرى مؤثرة في العالم، يتراوح حجمها وبالتالي حجم تأثيرها في تلك المصالح، أي أن التعامل مع الولايات المتحدة يجب أن يخضع للمصلحة الوطنية العليا أولا وأخيرا. وربما كانت مناطق أخرى من العالم تؤكد أن تلك الهيمنة الأمريكية ليست مطلقة، أو أنها لم تعد كذلك بعد أن فشلت جميع الصيغ والافكار حول ما كان يسمى بالنظام العالمي الجديد، الذي حاول البعض الترويج له بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، فقد بدأت بعض الدول ترى في وجود تجمعات اقليمية أخرى كالاتحاد الاوروبي أو مجموعة دول أمريكا اللاتينية، أو حتى الصين، موازيا للوجود الأمريكي في السياسة الدولية، ومن هنا بدأت بعض الدول تتخذ قرارات أو تتخذ مواقف تصب في اتجاه معاكس لتلك الهيمنة التي أعلن عنها البعض قبل فترة، وربما كان التصويت في مجلس الأمن الدولي خلال الأسابيع الأخيرة دليلا على ذلك، فقد رأينا كيف أن تصويت عدد من الدول الاعضاء في المجلس جاء على غير رغبة الولايات المتحدة تجاه قرارات حساسة، منها مثلا التصويت على مد أو رفع الحظر على العراق. وربما كان تصويت كولومبيا الايجابي على قرار ارسال مراقبين دوليين إلى الأراضي المحتلة، الذي جاء ضد رغبة الولايات المتحدة التي وضعت كل ثقلها حتى لا يتخذ مجلس الأمن الدولي هذا القرار باعتباره ضد رغبة سياسة ربيبتها اسرائيل دليل على الوضع الجديد الذي بدأ يسود العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة. وكولومبيا كما هو معروف تكاد تعتمد اعتمادا كليا على المساعدات الأمريكية، وبشكل خاص العسكرية منها، التي تساعدها على مواجهة الجماعات المتمردة التي تغرق البلاد في حرب أهلية غير معلنة، تعتبر أطول حرب أهلية داخل القارة الأمريكية اللاتينية. والتصريحات الأمريكية التي تلت التصويت في مجلس الأمن، والرد الكولومبي عليها، تؤكد أن السيطرة الأمريكية على الدول «الصديقة لها» لم تعد كاملة، ولكن بعض تلك الدول أصبحت تتخذ مواقف، إما تعتمد فيها على مدى عدالة القضية المطروحة، كما هو الحال في التصويت على هذا القرار، الذي كان الهدف منه حماية الشعب الفلسطيني من البطش الاسرائيلي، الذي يدخل في اطار «ارهاب الدولة» الذي تدينه القوانين الدولية، أو ترى في موقفها مصلحة خاصة تصب في اطار مصالحها الوطنية العليا، وليس تبعية لدولة كبرى مهيمنة. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن التصويت الكولومبي الذي كان لصالح الفلسطينيين سيكون له أثره السلبي على العلاقة بين الولايات المتحدة وكولومبيا، وجاء الرد الكولومبي مؤكدا على أن صوتها كان لصالح قضية عادلة، وانها ترغب في أن تتفهم الولايات المتحدة هذه الاوضاع، وألا تربط علاقاتها باصدقائها لمجرد الاختلاف في وجهات النظر في قضايا دولية خلافية (؟!). عكس الموقف الكولومبي إلى أي مدى أصبح من الممكن التلاعب بالخوف أو الرهبة من الهيمنة الأمريكية في الوقت الراهن، أو كما قال أحد المراقبين إن كولومبيا تستغل حاجة الولايات المتحدة لأراضيها لمراقبة الاوضاع في أمريكا اللاتينية فتلعب بهذه الحاجة لتلبي المطالب الأمريكية، وفي الوقت نفسه تحاول أن تجد لها مكانا في الساحة الدولية كدولة مستقلة، تعرف أنه يمكنها أن تختار الموقف الذي يتواءم مع مصالحها الخاصة كدولة، أو يتواءم مع موقفها الاخلاقي تجاه بعض القضايا الدولية، وتفهم «كولومبيا الدولة» أن لها الحق في اتخاذ الموقف الذي تريد بغض النظر عن حاجتها للمساعدات الأمريكية، لأن الأمر ببساطة لا يتوقف على المساعدة الأمريكية، بل يتعلق أيضا بعلاقاتها مع جيرانها، وهذا يدل على أن الولايات المتحدة ليست لها على أرض الواقع الهيمنة النظرية التي روج ويروج لها البعض في العديد من مناطق العالم. وكولومبيا ليست الدولة الوحيدة التي تعرف أنه يمكنها أن تتحرك دوليا وفقا لمصالحها الخاصة، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح القوى العظمى الأمريكية، بل هناك العديد من الدول والزعماء السياسيين الذين يمكنهم بناء سياساتهم وسياسات بلادهم طبقا لما تمليه عليهم مصالح أوطانهم. وحدث هذا من قبل من جانب الرئيس الفنزويلي هوجو تشابث، الذي قام بزيارة قبل أسابيع قليلة للعاصمة الكوبية هافانا، كانت «تبدو» مفاجئة، ظاهرها الاطمئنان على صحة مئتي مواطن فنزويلي يتلقون العلاج في المستشفيات الكوبية، التي يعتبر نظامها الطبي من أكثر الأنظمة الطبية تقدما في دول العالم الثالث، على الرغم من الحصار الذي تعانيه من جانب الولايات المتحدة منذ اكثر من اربعين عاما، والذي يحرمها من الحصول على أي تكنولوجيا متقدمة، بل ويحرمها من الحصول على المواد الأساسية، أملا في ثورة الشعب الكوبي ضد نظام كاسترو. لكن المراقبين رأوا، في ذلك الوقت، أن تلك الزيارة كانت خطوة جديدة من جانب الرئيس الفنزويلي، نحو تحقيق حلمه في المشروع «الوحدوي الأمريكي اللاتيني»، من خلال اقامة «الجمهورية البوليفارية» (نسبة إلى سيمون بوليفار محرر أمريكا اللاتينية)، الذي اعلن عنه مرارا، منذ محاولته الفاشلة في تغيير نظام الحكم في بلاده الذي انتهى به إلى السجن، الذي خرج منه أكثر اصرارا على تحقيق حلمه، ولكن عبر طريق «الديمقرطية» بترشيح نفسه وفوزه في الانتخابات العامة قبل عامين، خاصة أن هذه الزيارة تأتي عقب اعلانه من جمهورية الدومينيكان، انه سيطرح على فيدل كاسترو فكرة «مثلث» مكون من سانتو دومنجو وهافانا وكاراكاس لجزء من الجهود التكاملية والبوليفارية. وهو أمر نظرت إليه الولايات المتحدة بعين القلق، لأن مثل تلك الخطوة قد تؤثر على خططها في الابقاء على أمريكا اللاتينية بعيدة عن القلاقل والثورات، التي كانت سمتها الاساسية وقت الحرب الباردة، وما كان يمكن للولايات المتحدة ان تسيطر عليها، خلال فترة الحرب الباردة، إلا بالانقلابات العسكرية التي كانت سمة الحكم الاساسية خلال تلك الفترة. زيارة تشابث لكوبا فتحت جبهة جديدة للولايات المتحدة الأمريكية، لم تكن تتوقعها بعد أن كانت تعتقد أن لها اليد الطولى في أمريكا اللاتينية بسقوط الاتحاد السوفييتي السابق، وتسليم قادة الثورة الساندينية اليسارية في نيكاراجوا السلطة لليمين الموالي للولايات المتحدة الأمريكية، وان تنبهت المخابرات الأمريكية إلى خطوات الرئيس الفنزويلي منذ زيارته الأولى لكوبا بعد ايام قليلة من توليه رئاسة فنزويلا. وازداد القلق الأمريكي بعد الدور الذي لعبه هوجو تشابث في التنسيق مع الدول المصدرة للبترول لخفض الانتاج، بهدف تحقيق أسعار أعلى، ونجاحه في وضع «على رودريجيث» كأمين عام لمنظمة الأوبك، وهو دور أمكن للرئيس الفنزويلي أن يلعبه في ظل الفراغ الذي بدأت تشعر به دول أمريكا اللاتينية بعد أن تبين إلى أي مدى تقلص النفوذ الأمريكي الذي كان أكثر هيمنة خلال الحرب الباردة عنه في الوقت الحالي. من هنا، فإن المراقبين توقعوا في البداية أن المخابرات الأمريكية تعد العدة لمواجهة أي خطوة غير محسوبة من جانب الرئيس الفنزويلي قد تؤثر على الخطط الأمريكية في أمريكا اللاتينية، خاصة أن بعض وسائل الاعلام سربت في الفترة الاخيرة أنباء عن «تحرك بعض ضباط جيش فنزويلا» ضد خطط تشابث (؟). لكن هؤلاء المراقبين انفسهم استدركوا الأمر، وأعلنوا أن أي خطوة «انقلابية» من جانب المخابرات الأمريكية، بغض النظر عن مشروعية تحركات الرئيس الفنزويلي الوحدوية، قد تأتي بعكس ما ترمي إليه، خاصة أن أمريكا اللاتينية دخلت مرحلة جديدة من تاريخها، وخطط هوجو تشابث ليست سوى جزء من رؤية أكبر وأشمل بدأت تنمو بين شعوب تلك المنطقة تجاه السياسة الأمريكية هناك، خاصة بعد انكشاف الدور الأمريكي في انقلاب التشيلي عام 1973، على اثر محاكمة الجنرال بينوتشية. ثم جاء التصويت الكولومبي لصالح ارسال مراقبين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لكبح الارهاب الاسرائيلي وتحجيمه ليؤكد على وجهة النظر التي تقول إن الولايات المتحدة لم تعد لها الهيمنة المطلقة كما يعتقد البعض، بل أن التصويت الكولومبي في مجلس الامن فتح الباب أمام مزيد من التفسيرات التي يمكن أن تؤكد على تقلص الهيمنة الأمريكية، ليس في أمريكا اللاتينية، بل في العالم كله، وهناك من يؤكد أن هذا التقليص للنفوذ الأمريكي مسئولة عنه السياسة الأمريكية نفسها، لأنها بمواقفها المزدوجة تجاه العديد من القضايا الحساسة، كالقضية الفلسطينية، وقضايا البيئة تدفع بها إلى العزلة وتكون نتيجتها النهائية تقليص نفوذها وفتح الطريق أمام صعود قوى جديدة تنافس الولايات المتحدة أو على أقل تقدير تضعها في مكان أقل مما تروج له أو تريده لنفسها في ظل «قطبية واحدة» في طريقها إلى الزوال. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا