في الموروث المتداول من الثقافة الاسلامية والشعبية يعتبر النصح امانة، وقول الحق مسئولية، والمجاهرة بالرأي المخالف جهاداً عظيماً كما تدل عليه الكثير من النصوص الدينية المؤكدة. وفي الحكايات التي تسمعنا اياها جداتنا وامهاتنا اشارات ومواقف على أن التعامل المباشر والصادق بين المسئول وأهالي المدينة كان امراً شائعاً نظراً لتركيبتنا الاجتماعية غير المعقدة وايضاً للطبيعة البسيطة لأولئك الناس قديماً. اليوم وبعد قفزات الاقتصاد، وتنامي مدن الاسمنت والحديد، ودخول المجتمع ضمن منظومات قيمية مغايرة لنمط البساطة الذي ساد سابقاً، فإن علاقة اخرى بدأت تتكرس بين فئات المجتمع، قد يكون في الكثير من تفاصيلها التباس وسوء فهم، تحتاج الى مجاهرة ولياقة عالية لقول الحقيقة. وقول الحقيقة هنا لا يعني الوصول الى حالة من التمرد، او سيادة حالة من الشغب او أعمال العنف، كما يحدث في مدن عديدة ترزح تحت وطأة احتقانات اقتصادية وسياسية، واجتماعية مرعبة، قول الحقيقة الذي نعنيه هو نوع من استبصار الطريق بعيداً عن ارتداء النظارات الملونة. قول الحقيقة حين يأتي من قلب مخلص خير ألف مرة من تكريس الكذب المدجج بالتفاهة وأقنعة راقصي السيرك ومهرجي برامج الهواء المباشر الذين يستنبتون في عقول الاجيال ثقافتين كلتيهما اشد خطرا من الاخرى: ثقافة الصمت وثقافة التفاهة. ففي كل دول العالم صنعت الرداءة اثرياء وتجاراً وصفوة مجتمع واعلاميين انتفخوا حد القرف، ووضعوا مجتمعات انسانية بأكملها على شفير الهاوية، وحين احسوا بالخطر طاروا كفقاعات الهواء ليصنعوا مآسي اخرى في اماكن اخرى، وما صناعة الاعلام المرتكز دائماً على الفرقعات والضجيج والمبالغة وتهويل التفاصيل العادية ومصادرة الحقائق بحجة ان هدف الاعلام اسعاد المشاهدين وليس ازعاجهم او جلب النكد اليهم وغيرها من المفاهيم التي تصب في صناعة الصمت بجدارة سوى شكل من اشكال هذه المآسي. يحكي التاريخ انه قبل قرون من اليوم كانت قوانين «الازتك» «المكسيك حالياً» تعاقب بالاعدام كل من يرتكب «جريمة» النظر في وجه الامبراطور! اما اليوم فيمكن الحملقة في وجه رئيس الجمهورية، لكن الحصول على معلومات يعتبر امراً مستحيلاً خاصة فيما يتعلق بشئون الدولة، حتى اعتبرت المكسيك اسوأ دولة تقريباً في عدم السماح لمواطنيها بمعرفة ما يجري في بلادهم حسب تصنيف برنامج حرية المعلومات في امريكا. ثقافة الصمت هذه تعود لموروث سحيق كان يعتبر المسئولين انصاف آلهة لا يجوز النبش في شئونهم، هذه الثقافة ذاتها التي ادت الى انهيار مدينة بأكملها في اليونان قديماً تعرف باسم «اميلكي» صدر فيها قانون غريب يمنع ذكر العدو ورصد حركاته حتى لا ينزعج أهلها، وبالفعل فحينما غزاها جيش «اسبرطه» لم يجرؤ احد على انذار الاهالي خوفاً من العقاب! فدخلها الاسبرطيون واحتلوها دون مقاومة. ـ ثقافة الصمت لا تبني سوى الخراب وثقافة التفاهة لا تولد غير التفاهة.