لم تهدأ الضجة التي أثيرت مؤخراً في القاهرة حول ظاهرة «صحفيون للبيع» وقد لا تخمد نيران فتنتها، قبل ان تنتقل الى باقي العواصم العربية، لأن هموم الصحفي العربي واحدة، والاجواء التي يعمل فيها متقاربة، والاطار القانوني والسياسي والمجتمعي متماثل بدرجة او بأخرى، بحيث يبقى الصحفي العربي واقعاً بين شقي رحى قيامه بدوره والتزامه بمسئوليته تجاه القارئ من جهة، وصموده أمام اغراء ذهب صاحب المصلحة وترهيب سيفه من جهة اخرى. وظاهرة «صحفيون للبيع» التي أزاح الغطاء عنها الكاتب والمفكر فهمي هويدي مؤخراً، تجسد ببساطة خطورة الاوضاع التي يعيشها الصحفي العربي، والتي تجعله عاجزاً عن الحفاظ على استقلاليته، ونزاهة قلمه، والوفاء بواجبه تجاه القارئ وحقه في المعرفة، بدون الخضوع لوصفة اصحاب المصالح والسلطة والذين ينظرون دائماً بارتياب الى مصادر المعرفة والثقافة، وكأنهم يتحسسون مسدساتهم ـ على طريقة وزير دعاية هتلر ـ كلما سمعوا كلمة ثقافة! وتتفق سمات «الصحفيون المعروضون للبيع» مهما اختلفت الاجيال او المستويات أو الانتماءات سواء للحكومة او المعارضة فهم ببساطة وقعوا في خصومة ابدية مع فكرة الضمير والواجب لذاته، واستوطنت عقولهم مقولة ان التصدي لصاحب سلطة ايا كانت ضرب من الجنون والانتحار، واستقر في نفوسهم ان لا فائدة من الوقوف الى جانب المستضعفين والدفاع عن الحق، وبالتالي فإن الطريق الأسلم هو التسلق والتعلق بالقابعين فوق سلم السلطة والمال، فهم الذين يكتبون التاريخ في نهاية المطاف، وبإمكانهم ان يجعلوا المحتالين ثواراً، والجهلة رواد تنوير وقبل كل شيء لديهم القدرة على حماية انصارهم واتباعهم والتغطية عليهم، لدرجة يصبحون معها «غير قابلين للمس» بفضل حصانة منحتها لهم السلطة دون نص مكتوب! واخطر ما في ظاهرة «صحفيون للبيع» ليس اولئك الذائع عنهم تلقيهم هبات ورواتب شهرية من المؤسسات واصحاب السلطة، لأن امرهم واضح ومكشوف طبقاً لقاعدة «التواطؤ» والمعرفة والحديث بدون كلام. بل الاخطر اولئك الصحفيون الذين يتصدرون صفوف المعارضة ويرفعون لافتة الدفاع عن حقوق من لا صوت لهم، ويتسابقون لركوب اي موجة، ويغرقون ابرياء في بحر لا قرار له، بعد ان يتشبثوا هم بطوق النجاة الذي تقذفهم به الجهة التي تستخدمهم، وتدسهم وسط الصحفيين الذين يستعصون على البيع، ويقفون كالصخر الصلد في وجه اي محاولة لتزييف حقيقة، او للتدليس على القارئ او للترويج لمحتال مهما علا شأنه في غفلة من الزمن. والغريب في ظاهرة «صحفيون للبيع» ان اتحاد الصحفيين العرب ونقابات الصحفيين لاذت بصمت غير حميد، ولم تحرك ساكناً لتصفية ظاهرة مرضية تهدد عافية الجسد الصحفي العربي، فهي اخطر من قوانين تكبيل حرية الصحافة.