لا أذكر المرة الأولى التي رأيت فيها السينما، ولكنى أذكر نوبة السحر التي انتابتني وأنا أشاهد حياة كاملة على الشاشة الفضية للمرة الأولى، كان لها رعشة تشبه تلك الرعشة التي تنتاب الطفل كلما رأى شيئا فريدا وعجيبا، شيئا يستغرقه، يجذبه، يحتويه، ينقله إلى عالم آخر، فينسى كل شيء، حتى القاعة المظلمة التي يجلس فيها الى جوار الآخرين، ولا يرى سوى الشاشة التي تحولت الى عالم كامل من الأحداث والشخصيات، وسرعان مايندمج فيما، فيتحد عاطفيا بهذا البطل القوى الجبار الذي يقهر الاعداء، ويخطف معه الأميرة الحسناء ليردفها على حصانه، وينطلق بها كالريح، تطير خصلات شعره في الهواء، مثلما تطير أطراف ثوب الأميرة الأبيض، الناصع البياض كالثلج في صباح يوم شتوي مشمس، السعادة، الفرحة، الدهشة، الحبور، الترقب، التطلع، الإنتظار القلق، الحزن، الأسى الشفيف، الغضب، السخط، كل مشاعر الكون التي تحدث في الإنسان تتجمع في الداخل، وسط ظلمة المكان، والوعي كله مسلط على هذه الشاشة البيضاء التي ما إن يراها المرء حتى يقع في غرامها، ويظل محافظا على بهجة لقائه بها. كان ذلك قبل أن يظهر التلفزيون، وقبل أن يظهر الفيديو، وقبل أن تتحول أشرطة الفيديو التعليمية الى اقراص دي.في.دي، بل وقبل ان يصبح من الممكن أن تشاهد ما تريد من الأفلام على شاشة الكمبيوتر الخاصة بك، كانت السينما في ذلك الوقت عالما أقرب الى الخيال، وأدعى الى اثارة الخيال، أن تخرج من منزلك لكى تذهب الى السينما، أن تستعد نفسيا طوال الطريق للدخول الى عالم الخيال البهيج، أن تقطع التذكرة بعد أن تقف في الطابور، أن تبحث عن كرسيك وسط الظلام وحدك، أو بمساعدة فتى يحمل مصباحاً صغيرا، أن تداعبك النسمات في القاعة المظلمة للعرض وأنت تدلف إليها في الطريق الى مقعدك، أن ترى اشعاعات الصورة تنتقل من جهاز العرض الى الشاشة، أن تصل أخيرا الى مقعدك، وتسلم نفسك تدريجيا الى الشاشة الفضية لتنقلك الى عالمها لتنسى عالمك، كلها شعائر لا يمكن نسيان بهجتها الأولى، بل لا يمكن نسيان بهجتها الخاصة، عندما تقارن بين رؤية الفيلم في السينما أو مشاهدته في الفيديو. أذكر أن واحدا من أهم نقاد عالمنا الحديث ومفكريه، هو فالتر بنيامين فيلسوف الحداثة الألمانى، كتب دراسة عن (الاستنساخ الآلي للفن في العصر الحديث) قال فيها ان التقدم الصناعى قد ترك اثره على الفنون وكيفية تلقيها في الوقت نفسه، وضرب مثلا على ذلك بفن التصوير، في الماضى، كان لابد للانسان متذوق الفن أن يرتحل الى فرنسا حيث يمكن ان يذهب الى متحف اللوفر في باريس، ويشاهد لوحة الموناليزا الخالدة، تستقر وحدها كالضوء السحرى على الجدار بأكمله كانت لوحة الموناليزا في ذلك الوقت شيئا غامضا، نائيا، بعيدا، عزيز المنال، كحل اللغز الصعب الذي تطرحه ابتسامة الموناليزا، وكانت الرحلة الى المتحف، والمرور بأبهاء المتحف نفسها، والسير بين الأعمدة الشاهقة والممرات المزدحمة بالأعمال الفنية، كانت تلك كلها شعائر تضفى على حضور اللوحة طابعا فريدا لا يمكن تكراره، الآن بفضل التقنيات الحديثة، أصبح من الممكن تصوير اللوحة، واستنساخ آلاف، بل ملايين الصور لها، في كل الأحجام، ومن كل الزوايا، بل مع تكبير هذا الجزء، أو اقتطاع الجزء المقابل وحده، ونتج عن ذلك أن اصبح في مقدور كل انسان مشاهدة الموناليزا، والاستمتاع بها، بل مشاهدتها في الوقت الذي يريده وفى المكان الذي يرغب وبالحجم الذي يشاء فقدت الموناليزا سحرها القديم، واصبحت مبذولة للجميع، وسقطت عنها الهالة السحرية الملغزة التي كانت تحيط بها، ولم تعد هناك ضرورة لشعائر الوصول الى قداس أقداس حضور اللوحة. شيء من ذلك حدث للسينما، لم تعد هناك حاجة ملحة للذهاب الى السينما، واصبحنا نستطيع ان نحصل على شريط الفيديو في أى وقت، ونشاهده في أى مكان، كما أصبحنا قادرين على ان نستبدل شريط الفيديو أو قرص الدي، فى.دي، بالشاشة الفضية الكبيرة التي تحتل جدارا بأكمله، واصبحنا قادرين على ان نخلق لأنفسنا وبأنفسنا أماكن عرض باللغة الخصوصية، تقدم جميل، وشهادة مؤكدة على أننا مدينون أكثر وأكثر لتقدم التكنولوجيا في كل مجال، ولكن ماذا عن سحر اللوحة نفسها في حالة الموناليزا؟ هل تعوضنا كل هذا المستنسخات عن الهزة التي نشعر بها، ونحن نشاهد اللوحة نفسها على جدارها الخاص في متحف اللوفر؟! هل تشع المستنسخات المكبرة أو المصغرة فينا الرغبة نفسها التي تتخذ أوضاعا متعددة في نفوسنا، ونحن نقترب من اللوحة الأصلية أو نتباعد عنها كى نراها من هذه الزاوية أو تلك، أو كى نرى انعكاس الضوء عليها من هذا الاتجاه أو ذاك؟ لا شيء يمكن ان يشبه اللوحة الأصل في المشاعر التي تثيرها، أنا شخصيا، سأظل أذكر المرة الأولى التي تسمرت فيها امام هذه اللوحة، أتطلع الى وجه المرأة المرسومة فيها، مشدودا الى ضوء ابتسامتها الغامضة التي تجذب كالمغناطيس كل من يتطلع اليها، هل توازى المرة الأولى هذه واللحظة الشعورية المحتدمة للقاء الأول، أى لقاء آخر بصورة منسوخة، أو مستنسخ صناعى للوحة؟ لا يمكن. هذا هو ما أشعر به من فرق، عندما أقارن في داخلى بين ذكرياتى الأولى عن السينما وما أمارسه في هذه السنوات من مشاهدة الأفلام بواسطة الفيديو أو أجهزة الدي.في.دي، لا شيء يعادل سحر القاعة المظلمة، ولا أحد يمتلك قدر البراءة التي شعر بها الطفل الذي كناه عندما مارسنا شعائر دخول السينما للمرة الأولى، وحتى عندما ظللنا نمارسها بصحبة الكبار، حماتنا ورعاتنا، وبعد أن كبرنا قليلا فسمحوا لنا بالذهاب وحدنا، طبعا الفيديو جعل المشاهدة أسهل، جعل الدائرة اوسع، استجاب الى ضيق وقت الانسان الحديث وشواغله، ولكن بهجة الدخول الى القاعة المظلمة، وممارسة الشعائر التي تظل مفرحة مهما تكررت، شيء آخر له سحره الفريد الذي يشبه بوجه من الوجوه السحر الفريد للوحة الموناليزا معلقة على الجدار، صحيح ان الاحصاءات تقول ان الملايين تشاهد شرائط الفيديو والدى.فى.دى، وترى الافلام بواسطة التلفزيون، ولكن الاحصاءات تقول ان الاقبال على السينما لم يتناقص، وأن دور العرض السينمائى تتزايد، خصوصا بعد أن تفنن صناع السينما في الوصول الى ما لا يستطيع أن يصل اليه شريط الفيديو أو شريط الدي.في.دي. قد يخالفنى الكثيرون فيما أرى، ولكن لا أزال أشبه ذلك البطل في فيلم (سينما باراديسو) (أو سينما الفردوس اذا حرصنا على الترجمة) ذلك البطل الذي شدته الشاشة البيضاء منذ رأها للمرة الأولى في مدينته الصغيرة، فتعلق بها وتعلق بالعامل الذي يدير آلة العرض، وظل ينظر الى مبنى سينما باراديسو كما لو ينظر الى الفردوس، وحتى عندما ترك بلدته الصغيرة ليذهب الى روما، ويعمل بعد ذلك بصناعة السينما، ظلت قاعة سينما باراديسو واحة الحلم ومأوى الخيال، وماكان أكثر حزنه عندما عاد الى بلدته الصغيرة ليحضر جنازة العامل على آلة العرض الذي تعلق به كأنه أبوه، وليشهد عذاب السينما القديمة، ويقف مع كبار السن مثله ليشاهدوا هدم القاعة التي انهدم معها عالم بأكمله، ولم تبق منه سوى الذكريات. شيء من ذلك شعرت به عندما ذهبت آخر مرة الى بلدتى الصغيرة، وأوقفت سيارتى على المكان الذي تشغله (سينما الوطنية) في أول المدينة، حيث كنا نذهب كل أسبوع، وندفع قرشاً صاغ، نسترد منه مليما على هيئة قطعة حلوى، فقد كانت التذكرة (الترسو طبعا) بتسع مليمات، شعرت بالأسى وأنا أشاهد موضع السينما عمارة قبيحة جدا، وتركت نفسى لذكرياتى وأنا أشاهد بعينى أنور وجدى وهو يقود سيارة جميلة، كبيرة، طويلة، والى جانبه نعيمة عاكف، وفى المقعد الخلفى لبلبة (أو فيروز لم أعد أذكر) وممثلة أخرى جميلة، وكان ذلك بمناسبة العرض الأول لفيلم (أربع بنات وضابط) وقد جاء أنور وجدى نفسه ليحضر العرض، يقود سيارته كأنه الفارس الذي هفت اليه كل القلوب، وهو يمضى سريعا بحصانه الذي يسابق الريح والأميرة الجميلة تحتضنه من الخلف، ضاع ذلك كله، وتهدمت السينما، وخرجت مكانها عمارة كريهة، قدت سيارتى بعد البكاء على الاطلال، ومضيت في الطريق الى منزل الأسرة الذي تغير هو الآخر، بعد أن تهدم المنزل القديم، ولمحت السينماتين المتقابلتين (سينما نادر) و(سينما المحلة) فوجدت الأولى تهدمت، ونهضت محلها عمارة أخرى قبيحة، أما الثانية فلا تزال تنتظر دورها المحتوم. (مؤكد هناك سينمات أخرى جديدة قد بنيت)، هذا ماقلت لنفسى وأنا أقود سيارتى، و(مؤكد هناك الملايين من الصغار الذين يعانون بهجة الدخول الى السينما للمرة الأولى، وستأتى بعدهم ملايين أكثر)، هذا ماهمست به لنفسى، مؤكدا، ولكن صوتا من داخلى همس بشيء مضاد من أنه لا طفل الآن يشاهد السينما، أو يدخل الى قاعاتها السحرية، الا بعد أن يكون قد شاهد التلفزيون في منزله عشرات أو مئات المرات.