رغم الجهود الوطنية والدولية الرامية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية فإنه يبدو أن هذا الهدف بعيد المنال في البلدان النامية. أدت قوى العولمة إلى نشوء فرص اقتصادية كثيرة وكبيرة استغلتها واستفادت منه دول غربية وشركات غير وطنية. وأسهمت تلك الفرص اسهاماً قوياً في تحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان متقدمة النمو. ولم تستفد البلدان النامية استفادة تستحق الذكر من هذه الفرص. ولا تزيل العولمة التفاوت الهائل في مدى تحقيق التنمية القائم بين البلدان النامية والبلدان متقدمة النمو وداخل البلدان في الوقت نفسه. في النظام الاقتصادي العالمي الحالي الذي تسوده العولمة لدى البلدان النامية امكانية محدودة للوصول إلى الاسواق العالمية وإلى الموارد المالية والتكنولوجية. ولم تتم ازالة الآفات القديمة التي تعاني منها شعوب البلدان النامية من قبيل الفقر والمرض والفاقة وسوء التغذية والبطالة المتزايدة التفشي. وفي الحقيقة انه اقترنت بالعولمة وثورة التكنولوجيا والمعرفة زيادة شدة الفقر وتفشي البطالة في البلدان النامية، مما أدى إلى قدر كبير من التفكك الاجتماعي. ان النمو والتنمية الاقتصاديين في حد ذاتهما لا يعنيان الكثير بالنسبة إلى قطاعات كبيرة من السكان تعيش في ظل الفقر والجوع والحرمان ودون مأوى في العالم، وخصوصاً البلدان النامية. ويقوم اليوم تحد أكبر يتمثل في عثور العالم النامي وواضعي السياسة فيه على سبل لتصحيح الاختلالات في الاقتصاد العالمي من أجل كفالة اندماج البلدان النامية الايجابي على أساس الانصاف في الاقتصاد العالمي المتسم بالعولمة. ولن تتم إزالة الآفات المذكورة أعلاه ولن تحقق التنمية التي محورها الإنسان إذا استمر تطبيق النموذج الحالي من العولمة. بنية العلاقات الاقتصادية على الساحة الدولية بنية يفرضها إلى حد بعيد النموذج الحالي من العولمة، وهو النموذج الذي يسهم اسهاماً كبيراً في إيجاد هذه الآفات. لتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه ينبغي تغيير هذا النموذج. ويمكن تغيير هذا النموذة، وبالتالي تغيير حالة البلدان النامية المتردية اقتصاديا بإقامة المشاركة العالمية من أجل التنمية. والمشاركة العالمية تعني اقرار البلدان النامية والبلدان متقدمة النمو بوجود مصالح متبادلة بينهما، وتعني التعاون فيما بينها وتبادل الفوائد بينهما. وتتضمن المشاركة تحمل المسئوليات. ويتسم هذا النموذج من العولمة بعولمة القوة الاقتصادية. فاليوم نجد أن الأسواق الرأسمالية وتدفقات الاستثمار وكذلك بصورة متزايدة تدفقات التجارة على نحو مطرد أقل خضوعاً للسيطرة الوطنية. إن القوة الاقتصادية، وبالتالي القوة الوطنية، لا تمكن المحافظة عليها باتباع سياسات الاكتفاء الذاتي أو بالاعتماد الكامل على توظيف الاستثمارات الرأسمالية من الداخل. وبينما تحتاج البلدان النامية إلى الاستفادة من العولمة تريد في الوقت ذاته أن تضمن عدم تسرب الاثار السلبية المترتبة على تقحمات القوى الأجنبية غير المقبولة. ومن سمات النموذج الحالي من العولمة تحرير الأسواق وكونها محكومة بقوانين السوق المطبقة على أساس إرادة الجهات الاقتصادية والسياسية القوية. والقبول بهذا النموذج من العولمة يتضمن عزو قيمة مطلقة أو مطلقة تقريباً إلى الاقتصاد، ويكون ذلك على حساب الحقائق والدوافع الإنسانية والنفسية والثقافية والتاريخية. وتسبب العولمة صدمات لاقتصادات البلدان النامية. في هذا النموذج تمسك الشركات الكبيرة بآليات التحكم المالي. وهذه الشركات بالتالي تحل وتربط فيما يتعلق بقضايا مالية كثيرة وجوهرية. ومن آثار هذه الحالة أن الشركات تضع سياسات اجتماعية لكثير من البلدان النامية. وهذه الحالة تزيد من عمق الخط الفاصل بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال. وبالنظر إلى كون اقتصادات اغلبية هذه البلدان ضعيفة فلا قبل لهذه البلدان على الصمود في وجه هذه الصدمات. وحرية عمل أو قوى السوق، وخصوصاً الحرية مطلقة العنان لقوى السوق، داخل الدول وفيما بينها لا تؤدي إلى الانصاف في توزيع الدخل ولا تراعي مقتضيات التنمية التي محورها الإنسان. فالسماح لقوى السوق بالعمل الحر يؤدي فعلاً إلى المنافسة غير المنصفة بين البلدان النامية ومتقدمة النمو، وهي المنافسة التي لها أثر سلبي في حياة الشعوب الفقيرة، وإلى تفاوت النتائج المالية والاقتصادية ويؤدي هذا التفاوت إلى تركيز وزيادة تركيز الثروة وبالتالي السلطة في أيدي الشركات الكبرى والدول الكبرى القوية. والنتيجة هي تدهور أو تدمير البيئة الطبيعية والانخفاض في مستوى كثير من الخدمات العامة وتزايد اتساع الفجوة بين أغنى الشعوب وأفقرها وتهميش وزيادة تهميش الشركات الصغيرة والدول الفقيرة والضعيفة في عملية صنع القرار المتعلق بالاقتصاد العالمي. وينطوي هذا التهميش على اضعاف الاقتصادات الوطنية والاقليمية حيال سلطات الشركات الكبرى والدول القوية وحيال قراراتها وإجراءاتها. هذه هي الحقيقة المأساوية القائمة في أغلبية البلدان النامية. ولهذه الأسباب تعجز البلدان النامية عن الاندماج على نحو إيجابي الذي يفيد اقتصاداتها في الاقتصاد العالمي، ويقل احتمال اقتصادات البلدان النامية على نحو سلبي، بمعنى أن الدمج يتم على نحو يعود بالفائدة الكبرى على القوى الاقتصادية والمالية الحكومية والشركات القوية. ويتزايد عدد البشر الذين يعانون من الفقر المدقع والجوع والمرض وسوء التغذية والبطالة رغم الانطلاقة الكبيرة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. وفي الوقت الحاضر يعيش مليار ومئتا مليون من البشر على دخل يقل عن دولار في اليوم، وملياران و800 مليون من البشر يعيشون على دخل يقل عن دولارين في اليوم. وبعد عقدين ونصف العقد يقدر بأن سكان المعمورة سيزيدون إلى ثمانية مليارات نسمة. ووفقاً للتقديرات، من الثمانية مليارات نسمة سيعيش أربعة مليارات من الناس على أقل من دولارين في اليوم، وسيعيش مليار و800 مليون نسمة على أقل من دولار واحد في اليوم. وهذا يعني أنه بين الملياري شخص الاضافيين سيعيش مليار و500 مليار شخص على مستوى أخفض بكثير من خط الفقر. وفي أكثر من نصف البلدان النامية يحصل العشرون في المئة الأكثر ثروة اليوم على أكثر من 50 بالمئة من الدخل الوطني. وفي بلدان كثيرة يقل الدخل السنوي للفرد في المتوسط في العشرين في المئة الأكثر فقراً عن عشر ما يحصل عليه الفرد من العشرين في المئة الأكثر ثروة. في اكوادور، على سبيل المثال، ارتفع عدد الفقراء من 3 ملايين و900 ألف في سنة 1995 إلى 8 ملايين و500 ألف في سنة 2000. وفي تلك الفترة نفسها ارتفع عدد الذين يعيشون في ظل الفقر المدقع من مليون و400 ألف إلى 3 ملايين و200 ألف. واعتمد قادة العالم الذين حضروا اجتماع الألفية الذي عقدته الجمعية العامة للأمم المتحمدة في سبتمبر 2000 إعلان الألفية المهم الذي تضمن، من جملة ما تضمنه، أهدافا طموحة، ترمي إلى ازالة الفقر والمرض اللذين اسهمت العولمة اسهاماً كبيراً في تفاقمهما. ومن هذه الأهداف تخفيض نسبة سكان الأرض الذين يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم إلى النصف، وكذلك نسبة سكان الأرض الذين ليس في مقدورهم الحصول على المياه الصالحة للشرب إلى النصف بحلول سنة 2015. وأعلن القادة أيضاً عن تصميمهم على وقف انتشار فيروس نقص المناعة البشرية ـ متلازمة نقص المناعة المكتسب (الايدز) وعكس مسار ذلك الانتشار بحلول سنة 2015. ولدى دعاة النظام الإنساني العالمي الجديد وعي بسمات وآثار العولمة الاقتصادية والاجتماعية. ويرى دعاة هذا النظام الإنساني ان من شأن قيامه ان يهذب قوى السوق المتطرفة وأن يحد من انطلاق عنانها وأن يزيد من الفوائد التي تجنيها البلدان النامية من العولمة ومن إسهام العولمة في تحقيق تنمية تلك البلدان وأن يخفف، بالتالي من شدة الأعباء الواقعة عليها. ومن أهداف النظام الإنساني إزالة أو على الأقل تقليل الاختلالات التي تصيب النظام الاقتصادي العالمي القائم والتي تزيد العولمة من تفاقمها. ومن شأن الحد من انطلاق عنان قوى السوق أن يسهم في تحقيق هذا الهدف. ومن القضايا المهمة جداً التي تستحق الاهتمام الأكبر التكييف البنيوي لنموذج العولمة الحالي بحيث يمسي أكثر مراعاة لأهداف النظام الإنساني العالمي الجديد.ويتصدر هذه الأهداف تحقيق التنمية المستدامة التي يشكل الإنسان محورها. ـ أستاذ دراسات الشرق الأوسط ـ الولايات المتحدة الأمريكية