هل الشخصية القوية هي التي تفرض إرادتها على المنصب أم العكس؟ أطرح السؤال بمناسبة الاختيار الرسمي العربي لعمرو موسى لتولي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، خلفاً لعصمت عبدالمجيد وما صاحب هذا الاختيار من تقريظ إعلامي محوره أن عمرو موسى يتمتع بشخصية شعبية وطنية مما يتيح له تطويع المنصب الرسمي من أجل ترجمة آمال وطموحات الشارع العربي. إن وطنية عمرو موسى لاشك فيها. و بعبارة أدق فهو قومي النزعة. لكن الرجل فوق كل الاعتبارات دبلوماسي محترف. والدبلوماسي شخص ذو مهارات معينة يجب أن يضعها في خدمة السياسة الخارجية الرسمية للدولة (أو المؤسسة كالأمم المتحدة والجامعة العربية التي يعمل لحسابها). ولكن ـ وهذا سؤال جدلي ـ أليس من حق الدبلوماسي كمواطن أن تكون له توجهاته وأفكاره الشخصية بشأن وطنه... وماذا لو وجد أن توجهاته السياسية الشخصية تتعارض مع السياسة الرسمية التي يجب أن يخدمها بكل إخلاص وإتقان؟ إن الدبلوماسي المحظوظ هو الذي يجد أن السياسة الخارجية لحكومة الدولة التي يعمل لديها تتطابق مع المباديء والأفكار التي يؤمن بها كشخص ومواطن. لكن المشكلة، وخاصة في بلدان العالم الثالث، ان السياسة الخارجية لدولة ما تتغير بتغير الحكومات والأنظمة. لقد بدأ عمرو موسى حياته الدبلوماسية المهنية في عام 1958 ونظام جمال عبدالناصر قد توطد ومبادئه في التعامل الدولي قد تبلورت تماماً. ولمدى 12 عاماً على الأقل ظل الدبلوماسي موسى يمارس مهنته في حالة من الاستقرار الذهني لأن أفكاره القومية كانت تتطابق مع موجهات السياسة الناصرية. لكن عبدالناصر رحل على حين فجأة في عام 1970. وبرحيله رحلت معه سياسته الخارجية ونهجها. ورويداً أخذ الرئيس السادات ينهج سياسة هي النقيض لسياسة عبدالناصر. فهل كان يتعين على الدبلوماسي عمرو موسى حينئذٍ أن يستقيل من مهنته؟ إن الدبلوماسي المحترف موظف تكنقراطي وليس سياسياً. وعلى هذا الأساس فإنه يجتهد على الدوام في خلق حالة تصالح ذاتي بين أفكاره الخاصة والسياسة الرسمية التي يجب أن يخدمها رغم تعاقب الأنظمة الحاكمة باختلاف توجهاتها. ولا شك عندي أن هذا كان نهج الدبلوماسي عمرو موسى في عهد السادات وما بعده. وأتصور أنه كان يستغل أي موقف أو حالة غموض أو هامش تصرف لخلق معادلة تخدم توجهاته القومية دون التمرد على السياسة الرسمية الموضوعة. وأحسب أن موسى سوف ينتقل بنهجه هذا إلى منصب الأمين العام للجامعة العربية. لكن علينا أن نستذكر أن مسلك الدبلوماسي المحترف محكوم في النهاية بحدود السياسة الموضوعة مهما كان رأيه الشخصي فيها ومهما اجتهد من أجل تقليل التناقضات ـ إذا وجدت ـ بين أفكاره الخاصة وهذه السياسة. تأسيساً على ذلك قد نتوقع أن الأمين العام عمرو موسى ربما يجتهد في تفسير بعض قرارات اجتماعات القمة العربية من منظور قومي. لكن ما لا يجب أن نتوقعه هو أن يعمد موسى إلى خرق جوهر هذه القرارات وكأنه يتحدى رؤساء الدول الذين اشتركوا في وضعها.