نجحت الدبلوماسية والاعلام والقوة الاقتصادية والآلة العسكرية والعلاقات الممتدة على كافة المستويات بين الولايات المتحدة الامريكية والعالم العربي، في احداث ثغرة تلو الاخرى ومن ثم توسيع الخرق في الموقف العربي الرسمي اولاً ثم الشعبي لصالح العدو الصهيوني، فتحول عبر نصف قرن من كيان غاصب، وعدو صهيوني، الى «اسرائيل» كدولة ذات اسم وصفة لهما من التقدير والاحترام كما لبقية دول العالم الطبيعية! وفي المقابل تحول او تلاشى اسم فلسطين او الاراضي المحتلة، حتى كانت اوسلو وما بعدها فصرنا نقول اراضي السلطة الفلسطينية! واطمأنت امريكا الى نجاحها في «تسويق» العدو الصهيوني في الواقع العربي «الدبلوماسي والاقتصادي» وفي الذهنية العربية، حتى بات من يتساءل: أمازال العرب يتعاملون مع هذا العدو باعتباره عدواً بالفعل؟ أمازال لديهم احساس الغضب والنقمة والكراهية تجاهه لانه محتل ومغتصب وقاتل؟ خاصة وان الزيارات الرسمية لتل أبيب أصبحت كالزيارات لأي عاصمة عربية، وما كان يعرف بالمقاطعة اصبح شيئاً من تركة الماضي، والمصافحات «شغالة» بيننا وبينهم، والمصالحات والاتفاقات اكثر مما بيننا بعضنا بعضاً! واذن فهل ما زالت «اسرائيل» عدونا الأول الذي نريد ان نرميها في البحر كما كان يحلم عبدالناصر؟ لقد مر حين من الدهر طرحت هذه الاسئلة على خلفية شطب «لاءات» مؤتمرالخرطوم التاريخي «لاصلح، لا اعتراف، لا مفاوضات» وظهرت في حياتنا السياسية والثقافية أزمة «التطبيع بين الرفض والقبول» ووصلنا الى درجة ان صارت مسألة ان «اسرائيل» عدو وكيان مغتصب، مسألة نسبية قابلة للاختلاف!! وبالفعل نجحت الضغوط والمساومات والحركة التي لا تهدأ من أجل تذويب «اسرائيل» في الوجدان العربي وكأنها قطعة سكر لا خوف من آثارها الجانبية! وبالفعل ـ لا بالقول ـ فقد صار العلم ذو النجمة السداسية الزرقاء يرفرف على صواري عديدة في عواصمنا العربية التي تربينا على أنها دول صمود وتصد ومواجهة، واذن فقد نمنا على حال، واصبحنا فإذا الحال قد انقلب، وبدل ان نتعامل معهم وفق قرارات مؤتمرات القمة التي اثمرت مكاتب المقاطعة، ولاءات الخرطوم، وقرارات قمة المياه التي سرقتها «اسرائيل» صرنا نتعامل معهم على أساس جديد قائم على التطبيع. والتطبيع مصطلح سياسي ثقافي، يهدف الى اقامة علاقات طبيعية بيننا وبين عدونا «القديم» في النواحي السياسية والاقتصادية والفنية والثقافية... الخ، وظهر من ابناء العرب من يقف الى جانب التطبيع مع العدو باعتبار ضرورة فتح صفحة جديدة معهم، وعفا الله عما سلف، وهم ابناء عمومتنا والصلح خير!! وهذه طروحات لم يخترعها الرئيس المصري السابق السادات عندما زار القدس، وانما كرسها واقعياً بزيارته الصاعقة، بينما كانت كل خطوات السياسة العربية الرسمية منذ مفاوضات الهدنة (1948) تدفع نحو هذا الاتجاه الذي جاءت حرب (1973) وجهود اليهودي كيسنجر وزير الخارجية الامريكي (أيامها) لتسرع باتجاه الزيارة، والصلح، وكامب ديفيد. ومنذ الزيارة (1978) وحتى اليوم ونحن نناضل باتجاه تقوية السد في وجه الطوفان، حتى لا يصبح التطبيع حقيقة وواقعاً، وبرغم انه حقيقة، لكنه الحقيقة الاكثر تشوهاً ومرارة في واقعنا العربي، وللأسف ان يوضع الاعلام في بعض العواصم العربية لخدمة هذا التطبيع، وان يكرس بعض المثقفين والكتاب اقلامهم لخدمة التطبيع، وان يسعى البعض للتوسط من أجل ان تجد «اسرائيل» لنفسها موضع قدم في معارض الكتب ومهرجانات السينما العربية وغيرها من الفعاليات الثقافية في العالم العربي. ان اللجان الشعبية لمقاومة التطبيع، دليل واضح على وجود مأزق خطير في تربيتنا الثقافية والسياسية، فنحن اليوم لا نشكل لجاناً لمقاومة «اسرائيل» عسكرياً ومحاربتها، وانما لحماية اذهاننا ووجدان اجيالنا ومسارات الحياة الثقافية والاقتصادية والاعلامية من التغلغل الصهيوني اليها في ظل وجود من يؤيد هذا التغلغل من أبناء الأمة العربية. في الامارات لجنة شعبية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني تتأسس بوعي وبمساندة ودعم كريم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، هذه اللجنة سترى النور وعلى الملأ وفي اجتماع موسع قريباً جداً.