يحكى انه كان في احدى الخرائب في الهند مجموعة من العظاء، والعظاء جمع للعظاءة او العظاية، وهي السحالي. وكان بين تلك السحالي عضرفوط كبير، والعضرفوط نوع من العظاء او السحالي وهو أكبر حجماً منها. فجعلته تلك السحالي عليها ملكاً فاغتر ذلك العضرفوط بذلك، فمر بتلك الخرابة مملكة السحالي فيل كبير فغضب العضرفوط ملك السحالي لمروره بمملكته غير مبال به وبشعبه فقرر ان يفتك بالفيل وقال في نفسه انه لو أزال قدم الفيل عن الأرض لزال الفيل نفسه فلما رفع الفيل رجله اندس الملك العضرفوط تحتها ليقلب الفيل على ظهره ويفتك به فلما وضع الفيل رجله دهس العضرفوط وتركه ميتاً دهساً. ففقدت السحالي ملكها لحماقته وهربت الى جحورها فلما ذهب الفيل جاءت الى الخرابة «عنز» تأكل القمامة فلما رأتها السحالي حسبتها أنثى الفيل ثم قررن أن يجعلنها ملكة على أمة السحالي فسمعت العنز كلامهن فقالت في نفسها لا غرابة في ان تكون العنز فيلة في أمة السحالي فقد قال العلماء انه لا كبير الا بصغير ولا قوي الا بضعيف ولا طاغية الا بذليل. ثم تقدمت السحالي الى العنز وقلن لها أيتها الفيلة العظيمة ان قرينك العظيم قد مس اميرنا العضرفوط بقدمه فغيبه تحت سبع ارضين وأنت أنثاه وسيدته فقد اخترناك ملكة علينا وهبنا لك الخرابة وما فيها. فقبلت العنز منهن ذلك لكنها اشترطت الطاعة العمياء فقالت لهن نعم ما فعلتن بجعلي ملكة عليكن غير ان ما بيني وبينكن، تعني من الفارق، مثل مما بينكن والفيل وبين الحصاة والجبل الامر أمري ولا ثاني له فلا أعرف منكن على الصواب والخطأ الا الطاعة طاعة الأعمى للبصير، قوتي حق لأنها قوة، وباطلي كذلك حق لأنه من قوتي وقد قال أسلافنا الحكماء الفيلة «ان للقوي بين الضعفاء مشيئة مطلقة فهو مطلح حتى بالافساد حكيم حتى بالحماقة إمام حتى بالخرافة عالم حتى بالجهالة». فأنكرت على العنز عظاية او سحلية عالمة ذات رأي ودين يسمونها العمامة لبياضها وصلاحها فقالت لها لقد تخرصت غير الحق فإنك تحكميننا من اجلنا لا من أجلك فلك الطاعة فيما يصلحنا وما كان غير ذلك فهو رد عليك ورأيك شيء يجب ان تكون معه آراؤنا فنأخذ ما نأخذ عن بينة ونترك ما نترك عن بينة وقد كان يقال في قديم الحكمة «انه يجب على من يقدم رأياً للأمة الحازمة كي تأخذ به او يضع لها شرعاً يحملها عليه ان يتقدم لأهل الشورى وفي رأسه الرأي وفي عنقه حبل ثم يتكلم برأيه ويبسطه ويدفع عنه ويجادلهم ويجادلونه فإن كان الرأي حقاً أخذوا الرأي وان كان باطلاً أخذوا الحبل فشنقوا به هذا المتهور» ثم ان في ديننا ان الطاعة في المعصية معصية اخرى. فلما سمعت العنز ذلك غضبت وحذرتهن من ذلك الاعتراض وهددتهن فما الامر الا أمري انا ولا نهي الا نهيي فضحكت «العمامة» السحلية الحكيمة وقالت بل قولي انك مجنونة ب «أنا» فغضبت العنز وفارت من الغضب حتى خيل لها انها فيل عظيم جبار وخاف منها ضعاف السحالي حتى ظنن انها اذا رضيت عنهن بإمكانها ان تجعلهن فيلة واذا غضبت خسفت بهن الارض فأقبلن على العنز يجررن أذيالهن طاعة وذلاً للعنز حتى لم يعد لديها شك انها ليست بعنز وإن اشبهتها كل عنز في الدنيا وذهبت تقلد الفيلة وتعيش مثلهم وتمشي مثلهم فإذا مشت اهتزت الارض في الخرابة من مشيتها. ثم مر على تلك الخرابة فيل عظيم فخافت السحالي وهربت ولذن جميعهن بالفيلة العنز فتأهبت العنز لقتال الفيل ومبارزته وثبتت قوائمها وصلبت عظامها ونفشت شعرها وقالت لنفسها انا عنز نطيحة حين كنت عنزاً فكيف بي وقد أصبحت فيلة ثم وقفت في طريق الفيل تريد قتاله فأقبل الفيل ومد خرطومه فنالها به فلفها فيه فقبضه ورفعها به ثم قذفها فكأنما ذهبت الى السماء. فهربت السحالي ولذن بأحجارهن ثم لما ذهب الفيل خرجن فوجدن العنز جثة هامدة فأقبلن عليها وأكلن من جيفتها وعلمن انها كانت عنزاً فيّلها جنونها وأدركن ان الكذب على الحقائق قد جعل الخالق له حقائق اخرى تقتله وان من غلب أمة السحالي والعظاة على أمرها فليست الأيام والليالي سحالي فيغلبها وان تغير المخلوقات انما يكون بتغير باطنها لا بتحويل ظاهرها، وان الإناء الاحمر يريك الماء احمر والماء في حقيقته لا حمرة فيه حتى اذا انكسر الاناء ظهر الماء على حقيقته وان كفران الحقيقة يستدعي عقابا كعقاب هذه العنز التي تفيّلت. ? قصة مستوحاة بتصرف من كتاب وحي القلم للرافعي