بداية يمكننا القول ان عاملي الزمان والمكان هما وحدهما الكفيلان بتحديد نوع الخطاب الفكري أو السياسي، بالتزامن أو بالتوافق مع العامل الذاتي، والموضوعي لهذه الأمة أو تلك. وقد يكون من اللافت للنظر ان جملة الشعارات أو الخطابات، التي طرحت على المستوى العربي كانت وما تزال حاجة موضوعية تفرضها جملة الظروف والعوامل المستجدة، بعكس ما يحاول البعض النيل من مصداقيتها أو التقليل من أهميتها، وأي تشكيك غالباً ما ينطلق من فهم أحادي الجانب، إما بسبب عدم المقدرة على قراءة الواقع بشكل علمي ومتوازن، أو بسبب اللوذ مسبقاً خلف الأفكار والأيديولوجيات المعلبة الجامدة التي تحد من قدرة أصحابها أو حملتها، على إيجاد تفسيرات للواقع أصلاً،بحيث ينطلق هؤلاء في تحليلاتهم أصلاً من محددات تفتقد إلى ما يسمى بالمرونة (التكتيك ) والقدرة على معايشة الواقع بهدف وضع الحلول المناسبة لكل ظاهرة مستجدة على حدة بما يؤمن تجدد انماط التفكير ويرسي حالة من الوعي الإيجابي. وقد يكون أصحاب هذه المواقف محقون بعض الشيء، استناداً إلى طموحاتهم الكبرى، التي يحملونها في مخيلتهم وأحلامهم، بحيث بدأوا يشهدون انحداراً شديداً لسقف الشعارات والمطالب العربية، التي كانت تنادي فيما مضى بالوحدة الاندماجية بين الأقطار العربية، بسبب جملة من الظروف والعوامل الداخلية العربية والخارجية الضاغطة، والتي لسنا بصدد حصرها أو إدراجها في هذا المقام، وحل محلها بشكل تدريجي شعار يتيم واحد، تمثل فيما يسمى هذه الأيام بالتضامن العربي، وأصبحنا نعيش هذا الشعار أملاً باعتباره جسراً قد يعيدنا أو يذكرنا بمجدنا الضائع والأمر سيان، الذي ما نفتأ نتباكى على أطلاله في كل وسائل الإعلام بلا استثناء، مرئية كانت أم مسموعة ومقروءة، وباعتباره الحد الأدنى الإيجابي راهناً. ولعله من سوء الطالع، ان هذا الشعار رغم انه أصبح يعتبر الحد الأدنى عربياً، بدأ يعيش هو الآخر حالة من التسويف السياسي عند بعض أطراف النظام العربي الرسمي، أو حالة من التجويف وعدم الفاعلية المتعمد في بعض الأحيان، حتى جر البعض لانتهاج مواقف متصلبة تمثلت في بث بيانات النعي رغماً عنه لهذا الشعار، انطلاقاً من انه واحد من حزمة الشعارات المتطايرة في الفضاءات العربية، والتي ألفها السمع وتعودها الذهن كشيء مكرر دون فاعلية أو نتائج إيجابية ملموسة على أرض الواقع، وهي حسب وجهة نظرهم كثيرة جداً يصعب حتى على المتخصص الدارس إحصاءها. وان خطاب التضامن العربي أصبح مجرد مظلة، يستظل بها البعض ليخفف جزءاً من الضغوط الداخلية المفروضة عليه من قبل الشارع المفعم بالحيوية رغم الصمت الذي يلفه أحيانا، والذي يخبئ خلفه الكثير من العواصف غير المحسوبة أحياناً أخرى، والتي قد تؤسس لانهيار السلم الأهلي في تلك المجتمعات من جهة. أو ليكون هذا الشعار شماعة يعلق عليها هذا البعض كل إخفاقاته وأزماته،أو لسد الذرائع، خاصة واننا نشهد دورة كونية وليس إقليمية وعربية، تتسم بما قد يسمى بعصر الأزمات الطارئة أو المفاجئة دون ان تنذر بالكثير من المقدمات ودق نواقيس الخطر المعهودة، المعبرة عن حجم الفعل وتداعياته. لكن أياً تكن الانتقادات الموجهة لهذا الخطاب، وأياً تكن النوايا التي تستند إليها في تقييمها له، لا بد من الاعتراف بان خطاب أو شعار التضامن العربي، قد جاء في لحظة تاريخية ماسة كانت حاجة العرب أشد ما يكون لمثل هكذا شعار، وذلك بهدف سد الثغرات الكبيرة التي طالت حائط السد العربي، وما خلفته من سلبيات انعكست بدورها على مجمل العلاقات العربية العربية، وأعادت الاعتبار ولو جزئياً إلى ما يسمى بالروابط التاريخية بكل خلفياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وهذا الكلام يجب ان يستند بكل تأكيد إلى روح المسئولية العالية، انطلاقاً من فهم الواقع العربي المعاش والأزمات الحادة التي تجتاحه وتهدد بفض كل الروابط القائمة بينه،حياداً عن ماهية هذه الروابط ونوعيتها،من خلال انتهاج سياسة واقعية تتفق مع متطلبات العصر العربي، بما يتوافق مع توسيع دائرة التعاون فيما بين العرب من جهة، ومع الأطراف الأخرى من أجل رفع مستوى المطامح والأهداف التي نصبوا إليها من جهة أخرى. وهنا يمكنني القول ان واقعية هذا الشعار، تحققت ولو جزئياً عند بعض الدول العربية قياساً بحجم الدول وتعدادها، وبالأخص دولة الإمارات العربية المتحدة، التي بدأت تظهر معالمها بشكل واضح وجلي في فلسطين ولبنان. وقد اعتبرت الخطوات الإماراتية المتلاحقة باتجاه دعم الانتفاضة، التعبير الحي والمثل الذي يحتذى، في ظل مرحلة يعيش فيها الشعب الفلسطيني أعزل، إلا من الصدور المواجهة العارية والحجر سلاحاً والجروح النازفة التي تنتظر لحظة إعلان انتصار الدم على السيف وحامله. وليس من قبيل المجاملة، كما يحلو للبعض ان يزعم ان الإمارات العربية شعباً وحكومة ومؤسسات، وبعض الدول العربية حتى المكلومة منها بسبب السياسات المحاكة ضدها من الخارج قد أعادت الاعتبار لخطاب التضامن العربي فهذه الخطوات جزء من سياسة ثابتة للامارات نحو دعم ومساندة القضايا العربية. وهنا لا بد لي من القول بان الشيء بالشيء يذكر، ان الخطوة الإماراتية الأخيرة، التي جاءت عشية انعقاد القمة العربية العادية في عمان، والتي تمثلت في وصول وفد جمعية الهلال الأحمر الإماراتي،والإعلان عن افتتاح مشفى زايد بن سلطان في مدينة رام الله الفلسطينية القابعة تحت الاحتلال، بعيداً عن انها مفخرة، تعتبر مشاركة حية جنباً إلى جنب بالجهاد مع أبناء الانتفاضة الفلسطينية. ناهيك على ان هذه الخطوة الداعمة لديمومة انتفاضة الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه، جاءت بمثابة رسالة واضحة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، باعتبار ان الحرب السياسية، التي تقودها قوات الاحتلال المدججة بأعتى انواع الأسلحة، مكثفة بأهداف اقتصادية واجتماعية أصلاً. ولم تقف الإمارات العربية عند حدود الدعم للانتفاضة، بل توسعت رقعته حتى طالت الجنوب اللبناني المحرر من دنس الاحتلال، ولعل المبادرة التي طرحها وزير الإعلام بدولة الإمارات العربية المتحدة سمو الشيخ عبد الله بن زايد في العاصمة اللبنانية بيروت، بتبني مشروع إزالة الألغام التي زرعتها اسرائيل في جنوب لبنان، بتأكيده على التعاون الخلاق مع لبنان والأمم المتحدة وكل الدول الراغبة في إنجاز هذا المشروع الذي ستمول الإمارات العربية تكاليفه، يعتبر بجد نقلة نوعية في تمثل حالة التضامن العربي، بعيداً أيضاً، عن الاعتبارات الإنسانية واحياء الجنوب بعد العدوان الغاشم عليه. جاءت هذه الخطوة في 20 مارس الماضي لتزيد التأكيد على مدى الروابط الأخوية، انطلاقاً من الهم الواحد والهدف السامي الواحد، الذي يتمثل في تحصين الثغور العربية في مواجهة الغطرسة والعدوان الإسرائيلي، وليؤكد صحة مقولة أو خطاب التضامن العربي. وهنا يمكنني القول ان الإمارات العربية تعتبر نموذجاً للتضامن العربي، وهذا النموذج ليس مختزلاً بحجم العطايا الممنوحة، بل بأهدافه السياسية التي تسعى إلى تعميق أسس الروابط القومية، وتفتح الطريق أمام خطوات أكثر واقعية لانجاح الشعارات الوحدوية، التي لا تزال الأمة بقضها وقضيضها، تحلم بتحققها على مساحة الوطن. ? كاتب فلسطيني مقيم بدمشق