تزامن اغلاق النائب البرلماني السوري رياض سيف منتداه الحواري، التزاما بالتعليمات الرسمية إزاء ضرورات الحصول على موافقة القيادة السياسية، كشرط لاستعادة نشاطه السياسي، مع احتدام الجدل في البرلمان اللبناني حول شرعية الوجود السوري، وهكذا منذ وصول الرئيس بشار الأسد الى سدة السلطة في العام الماضي، والسياسة السورية تتجاذبها مشكلات الداخل وتحديات الخارج، وكلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر تلقائيا ويتفاعل معه ديناميكيا ايجابا أو سلبا، ولاشك أن اجتثاث الفساد والخروج من عنق الضائقة الاقتصادية، أو اطلاق سراح المعتقلين السياسيين واغلاق سجن المزة العتيد، والتخفف من قيود المناهج والآليات الشمولية عبر الاعلان عن فسحة أوسع للحريات الديمقراطية والتعددية السياسية، إنما تندرج تحت قائمة شروط النهوض وتحديث سوريا، واستعادة وحدتها الوطنية، كونها ركائز بناء دولة المؤسسات، وتأهيلها لمواجهة التحديات الخارجية بقوة وفاعلية، ولاشك أيضا في المقابل أن نجاح السياسة السورية في معالجة اشكالية الوجود السوري في لبنان، عبر الحوار الديمقراطي مع زعامات الكتل السياسية، من شأنه قطع الطريق على غلاة اليمين الماروني، واجهاض المخططات الخارجية المشبوهة التي لا هم لها سوى تشويه الدور السوري المقدر في اخماد الفتنة الطائفية، بعد أن تجاوزت كل حدود الدمار والقتل على الهوية الذي تخلف عن الحرب الأهلية، إيذانا بفصم التلاحم القومي بين مساري السلام اللبناني السوري، والانفراد بالمقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله، وتصفيتها لحساب اسرائيل وتكريس احتلالها مزارع شبعا اللبنانية، ومن هنا بات من المتعين أن يرجح النجاح في توفيق أوضاع الوجود السوري في لبنان، كفة الاستقرار السياسي الداخلي في سوريا، والعكس صحيح! والشاهد أن شعارات التحديث والانفتاح والتغيير التي مثلت ابرز العناوين السياسية للعهد الجديد، صادفت القبول والارتياح لدى الشعب السوري بصفة عامة، بينما نشطت النخب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الى تأييدها واختيار مدى مصداقيتها، فكانت ظاهرة القوائم والبيانات المطلبية التي تنادي بالاصلاح الشامل، بينما نشط بعض المثقفين الى عقد الندوات الحوارية حول تفعيل المسار الديمقراطي المنشود، وعلى ما يبدو أن رموزاً من الحرس القديم أدركت أن رياح التغيير نذير يفقدهم مكتسباتهم، ولعله يفسر المضايقات التي قلصت نشاطات التيار الاصلاحي، حين غفل عن مغزى ترتيبات التدرج في عملية التغيير لسببين.. (الأول).. تحاشي فتح جبهة جديدة بشكل يؤثر بالسلب على توجهات العهد الجديد صوب مواجهة العدوان الاسرائيلي من جهة، واحتواء موقف بعض الشرائح السياسية اللبنانية المناهضة للوجود السوري من جهة أخرى.. (الثاني) أن الرئيس بشار الأسد الذي يستمد شرعيته من فترة الاستقرار السياسي التي تحققت في عهد والده، لن يقبل وذلك أمر طبيعي أن تتعرض لسهام التشويه، وقد تأكد ذلك في أول حديث له منذ توليه السلطة حين وجه بضروره (الابتعاد عن المزايدات الفكرية وتحاشي أن تكون عملية التطوير تربة خصبة للباحثين عن الزعامات)، وفي تنديده بمنتقدي الحقبة الماضية (يبدو أن هؤلاء يفضلون لبلدهم مرحلتي الانقلابات والاحتلال على مرحلة الاستقرار.. لكنهم خجلوا من قول ذلك صراحة، فعبرا عنها بصيغ مختلفة) وقوله حول بيانات المثقفين (أنا لا أعرف من هم الأشخاص الذين سموا أنفسهم مثقفين)، ثم هدد قائلا (عندما تكون نتائج أي فعل تمس الاستقرار على مستوى الوطن، فالمعالجة تختلف، فالاحتمال أن يكون الفاعل عميلا لصالح دولة ما أو يكون انسانا جاهلا يخرب دون قصد.. وفي كلتا الحالتين يخدم أعداء بلده.. وعندئذ يكون التعامل مع النتيجة بصرف النظر عن النيات والخلفيات)! على أن الرئيس بشار الأسد وإن كان قد وضع النقاط فوق الحروف، إلا أن المطلوب يظل قدرا أكبر من الشفافية والمكاشفة بخطط التغيير وأبعاده وحدوده توخيا للطمأنينة وسد المنافذ في وجه الاحتقان السياسي مجددا، مع التأكيد على استمرارية مناخات التفاؤل في المستقبل الديمقراطي الأفضل، ولعله نفس الوضوح والشفافية المطلوبة في الخطاب السياسي حول مستقبل الوجود السوري في لبنان، ومدى ارتباطه العضوي والمصيري بارادة الشرعية الدستورية اللبنانية، وبدونها لما تحقق للدور السوري نجاحه المقدر في إخماد الفتنة الطائفية في لبنان وتحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، لكن يظل الشعب اللبناني المناط بإجهاض المخططات التآمرية الوشيكة. ? صحفي مصري