المتابعون للدعاية الصهيونية وتزييفاتها، يعلمون ان اليهود ناشطون جداً في اوروبا، ولهم مجالس ومراكز عالمية وذات نفوذ في كل عواصم الغرب، ناهيك عن امريكا بطبيعة الحال. والذين زاروا ألمانيا من هؤلاء المهتمين، يعلمون بأمر النصب التذكاري لما يعرف بضحايا النازية في مدينة «ميونيخ» وهو النصب المعروف باسم (داخاو) وعندما تفكر بزيارة هذا النصب فإن الشركة السياحية المنظمة للرحلة ـ التي عادة ما تستغرق اربع ساعات ـ تعطيك نشرة تعريفية يلفت النظر اليها عبارة: هذا هو درس داخاو!! فما هو درس داخاو يا ترى؟ اليهود الصهاينة المسئولون عن النصب يقولون لك باختصار في النشرة: «اذا عرفنا وتعلمنا درس (داخاو) جيداً، فإننا لن نعيد معاناة هؤلاء الضحايا الذين يعج بهم المكان، والذين تحولوا الى ضحايا لأكبر جرائم نازية في تاريخ البشرية، ان الدرس هو ألا نعيد او نولد مآسي جديدة، لضحايا جدد، عانوا بشاعة النازية في الحرب العالمية الثانية»، وبرغم انني لم أزر (داخاو) لأسباب مختلفة، الا انني فكرت كثيراً في درس (داخاو) وأنا اتابع طروحات الحكومات «الاسرائيلية» المتلاحقة لما يسمى بالسلام في المنطقة! تابعت بحرص خطوات رئيس الوزراء الجديد الجنرال «شارون» وتأملت جيداً الطريقة التي تم تسويقه بها اسرائيلياً وامريكياً، وكيف تصدر مجلة «النيوزويك» الامريكية بكتلته الضخمة وملامح وجهه المستفزة منذ اكثر من اسبوعين وهو يصرخ: «نعم أنا قادر على صناعة السلام»، وقد كنت أقرأ المجلة الامريكية في «ميونيخ» قريباً من نصب (داخاو) ومن درسه العظيم!! ومنذ ان جاء «شارون» للحكم، ومنذ دشن عهده بزيارة واشنطن، ومنذ أن اتضحت ملامح سلامه المزعوم، وأنا أحاول أن اجد اجابة لتساؤلي: هل هناك علاقة بين درس (داخاو) ودرس «اسرائيل» في فلسطين؟ فواضح جداً ان أحفاد «الضحايا» وسلالة تاريخ الضياع والتيه ولعنات الأنبياء والبشرية، يصنعون التاريخ، او يصنّعونه على هواهم، وحسب نفوذهم وأموالهم معمدين بقوة امريكا، محروسين بنفوذها، آمنين بفضل دعمها وترسانة اسلحتها، وضخامة أساطيلها، وسرعة استخدام الفيتو الامريكي لصالحها، وعليه فلهم الحق ان يضربوا رؤوس العالم بمطارق من حديد، وقنابل من نابالم، حتى لا يتكرر درس (داخاو) عليهم هم فقط، اما الآخرون فأغيار عبيد لأجل شعب الله المختار!! هذه هي حقيقة درس نصب (داخاو) ولا أظنني ذهبت بعيداً أبداً!! سيدة عربية مقيمة في «ميونيخ» قالت لي: لقد زرت النصب، وتألمت كثيراً على حال الضحايا الذين قضوا في سجون النازي! في الحقيقة انهم «يكسرون الخاطر» حسب تعبيرها!! ولأنهم يكسرون الخاطر في (داخاو)، فهم يكسرون العظام ـ يا سيدتي ـ ويقصفون البيوت، ويسرقون الحياة من عيون الصغار والكبار، ويصادرون الارض، ويزورون التاريخ، ويستولون على الجغرافيا العربية حتى لا يتكرر ما حدث لهم في سجون النازي، فهل اكتشف اليهود ان للعرب وللفلسطينيين صلة قرابة او نسب بهتلر، فأرادوا تصفية حسابهم القديم معنا على طريقة ضحايا (داخاو)؟! أتمنى لو نقيم نصباً تذكارياً في كل دول العالم لضحايا مجازر كفر قاسم، ودير ياسين، وصبرا وشاتيلا، وقانا، ومقتل الاطفال في انتفاضة الحجارة و....، وان نجعلها مزارات وأن نوزع منشورات وكتيبات تبدأ بعبارة: حتى لا يتكرر درس مجازر فلسطين ولبنان ومصر وسوريا والعراق.. فمن يستجيب للطلب ويحقق الأمنية؟