لكم اثار مخيلتي هذا الشاعر الملك الذي عاش حياة درامية في مرحلة تحولات واضطرابات تاريخية كبرى مرت بالعالم العربي، الاسلامي عامة، والاندلسي خاصة، بدأت صلتي به عندما قرأت تاريخ الأندلس، سواء في مصادره العربية وأشهرها موسوعة المقري الشهيرة «نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب» او «المقتبس» لابن حيان، ثم مشيت فوق الارض التي عاش فيها اجمل ايامه عندما زرت قرطبة، وامضيت اياماً ثلاثة اخصص النهار كله للاقامة في المسجد الكبير، احد دور العمارة الاسلامية العربية في الكون، وفي الليل اجوس في المنطقة القديمة المحيطة حيث الحي القديم، فوق موضع منه كان يقوم القصر الذي عاش فيه المعتمد انه احد قصور شهيرة قامت يوماً في الأندلس وذكرها المعتمد في شعره، قصور مبارك وثريا، وزاهي، وزهير، وحيد، وقصر الشراجيب بمدينة شلب «سيلفتس الآن» الذي قضى فيه المعتمد شبابه. حياة هنيئة، رغدة، لنا عودة اليها، انتهت في احدى ضواحي مدينة مراكش في قرية اغمات الصغيرة، تقوم على سفح جبل الاطلس من هنا أبدأ حديثي عنه في عام سبعة وتسعين وتسعمئة وألف، زرت مراكش نزلت ضيفاً على جماعة صوفية وزاوية سيدي الجزولي، وهناك التقيت بالشيخ مصطفى سليطين «تصغير سلطان» ولي به علاقة وثيقة وصلة وطيدة، يقيم معتزلاً في أغمات، وعندما يعلم بوصولي ينزل الى المدينة للقائي، وهذا حال نادر اذ يسعى شيخ للقاء مريده، ربما لأنني غريب، واقامتي محدودة دائماً، وربما لحالة من المحبة الزائدة بيننا، في تلك السنة طلبت من صحبي زيارة قبر الملك الشاعر في أغمات لأرى الموضع الذي انتهى اليه مغموماً، مقيداً، محسوراً. في سنة 1091 ميلادية (484 هجرية) سقطت اشبيلية امام جيوش الذين جاءوا من المغرب بقيادة يوسف بن تاشفين ونفي المعتمد الى المغرب وصل الى طنجة ثم اقام بمكناس اربعة شهور مع اسرته، ثم انتهى في أغمات تلك القرية الصغيرة المعزولة عند سفح الأطلس الكبير. خرجت في الصباح الباكر برفقة اصدقاء أعزاء من مدينة مراكش قاصدين أغمات، الطريق يصعد تدريجياً الى أعلى تبدو جبال الأطلس للناظر اليها من أسفل كأنها كتلة صماء، ولكن عند بدء الصعود الى الجبل يفاجأ الانسان بحياة كاملة قرى ومدن صغيرة لا تظهر من الوادي، الطريق ممهد ولكنه وعر الآن فما البال في العصور القديمة عندما كانت الطرق وعرة مجرد مدقات وممرات صغيرة الى هنا اقتيد المعتمد بن عماد، بصحبة زوجته الرميكية وأولاده وأقام في أغمات اربع سنوات الى ان قضى في عام 1095م (488 ه). عندما وصلنا الى الساحة الصغيرة التي يقوم فيها القبر رأيت ضريحاً كبيراً يشبه المسجد، لونه يميل الى الاحمر الممتزج بالاصفر نفس اللون الذي يوحد كافة مباني مراكش حوله اشجار الزيتون والكافور، هذا المبنى حديث شيدته المملكة المغربية عام ستة وسبعين وتسعمئة والف قبل ذلك، كان القبر مجرد احجار مبعثرة، والمقابر هنا عبارة عن مستطيلات من الحجارة تشير فقط الى الراقد في اللحد، لا تبنى فوقها قباب او مبان كبيرة الا اذا كان المدفون شيخاً شهيراً. القبر وصفه المستعرب الاسباني جارثيا جوميث عام 1953، في العدد رقم 18 من مجلة «الأندلس» حيث كتب مقالاً مفصلاً حول الزيارة وابدى حزنه لرثاثة المكان، لم يكن بادياً منه وقتئذ سوى كومة احجار، وفي الأزمنة القديمة زارها لسان الدين ابن الخطيب الوزير الشاعر، وتحدث عن مكانها كذلك المؤرخ الاديب المقري الذي زار المكان عام 1601م دخلت الى الضريح، المكان سمته البساطة، رأيت ثلاثة مقابر مستطيلة لا تعلو عن الارض الا حوالي ثلاثين سنتيمتراً فقط، مكسوة بالزليج المغربي الشهير. اشار حارس المكان عبدالرحمن والذي يبلغ من العمر ثمانين عاماً قبر المعتمد وقبر زوجته متساويان في الحجم والطول، بينهما مرقد احدى بناته يبدو أصغر. على الضريح أبيات مؤثرة تقول المصادر انها آخر ما انشده المعتمد قبل وفاته بساعات، يقول فيها: قبر الغريب سقاك الرائح والغادي حقاً.. ظفرت بأشلاء ابن عباد وينسب هذا الشعر الى لسان الدين ابن الخطيب. أتيح لي ان ازور هذا العام البرتغال للمرة الثانية وان اقيم في مدينة «سيلفتس» كما تعرف الآن او «شلب» كما كانت تعرف زمن الاندلس العربي وطوال اقامتي بالمدينة كنت استحضر روح المعتمد بن عباد، اذ كانت «شلب» قاعدة لملكه فيها عاش، وفيها احب اعتماد الرميكية ونشأت بينهما قصة الحب الشهيرة وفيها دارت الصراعات بينه وبين الوزير الشاعر ابن عمار. كنت افكر في «اغمات» الواقعة على سفح جبال الاطلس هناك على الضفة الاخرى من الشاطئ الافريقي واستدعي تفاصيل حياته، والمسافة التي قطعها من شلب الى أغمات من أبهة الملك الى ظلمة السجن وذل العبودية. عاش المعتمد في زمن انهيار الدولة العربية بالأندلس وتفتتها الى امارات صغيرة ودويلات وهذا العصر مشهور باسم «ملوك الطوائف» ورث الملك عن ابيه سنة اربعمئة وستين وواحد. تلقب بالمعتمد على الله، والظافر بحول الله، كان في الثلاثين من عمره وكان مشهوراً بشجاعته وفروسيته يقول المقري في «نفح الطيب» انه خصص داراً لا يدخلها الا الشعراء وذلك كل يوم اثنين وبلغ من حبه للشعر والشعراء انه لم يستوزر كاتباً او وزيراً ما لم يكن شاعراً وعندما استقر في اشبيلية قاعدة ملكه اصبحت مركزاً ثقافياً مهماً الى جانب مركزها السياسي، واصل تقوية الدولة التي اسسها ابوه واصبحت بالفعل اقوى دويلات الاندلس في عهد الطوائف وكانت له حروب وصراعات مكنته من بسط نفوذه على غرب الأندلس كله، وادت صراعاته مع ملوك الطوائف الآخرين الى ضياع طليطلة وسقوطها في أيدي الاسبان. من الشاطئ الآخر، كان يوسف بن تاشفين زعيم المرابطين يرقب الامور بانزعاج ويتابع تآكل الدولة العربية في الاندلس وتفرقها الى شظايا كان هذا دافعه لشن حملة كبرى ضد ملوك الطوائف عبر البحر عام اربعمئة واربعة وثمانين استولى على غرناطة وركز قوته الرئيسية ضد المعتمد بن عباد، وعندما وصل جيش يوسف بن تاشفين الى اشبيلية تأهب المعتمد لملاقاته ومرة اخرى يرتكب خطأ كبيراً، اذ استنجد بالقائد الاسباني الفونسو الذي امده بقوة عسكرية لكن المرابطين المغاربة هزموه وانتهى الامر بهزيمة المعتمد بن عباد وأسره، حملوه في قيود حديدية الى أغمات، يلفت نظري دائماً تلك القسوة الشديدة التي عامله بها يوسف بن تاشفين، وعند وصوله مع اسرته الى أغمات ابدت زوجته اعتماد الرميكية جذعاً وخوفاً من وحشة السجن بعد عز الملك وبهاء القصور فقالت لزوجها مرتاعة «يا سيدي لقد هنّا هنا...»، فقال المعتمد مصوراً هذا الألم الدفين والاستسلام للقضاء: قالت: لقد هنّا هنا مولاي، اين جاهنا قلت لها: الهنا صيرنا، اتهنا وعلى الرغم من اذلال المعتمد وآله، فإن المحنة لم تروع قلبه ولم يطأطئ هامته لقسوة يوسف، فما ذل ولا استعطف، ولا استرحم ولا استشفع ولا ارتاع وانما كان ثابتاً في اسره رغم ذله وضيق احواله ومهانة اسرته التي اضطر افرادها الى التسول لضمان العيش وكان ملاذه في سجنه الشعر ولعل اصدق ما يصور نفسه في سجنه قوله: تؤمل للنفس الشجية فرجة وتأبى الخطوب السود الا تماديا لياليك من زاهيك اصفى صحبتها كذا صحبت قبل الملوك اللياليا نعيم وبؤس ذا لذلك ناسخ وبعدهما نسخ المنايا الأمانيا هكذا سيطرت شخصية المعتمد ومأساته الانسانية على أيامي التي قضيتها في «أغمات» بالمغرب حيث كانت نهايته او في «شلب» بالبرتغال التي شهدت بدايته ولا تزال الدراما الكبرى التي عاشها هذا الشاعر الكبير في حاجة الى من يقصها مرة اخرى عبر عمل ادبي رواية كانت او مسرحية.