في أثناء المفاوضات مع المسلمين من أهل البوسنة بعد نهاية العدوان الصربي الوحشي الذي ارتكب أفظع الجرائم الوحشية ضد المدنيين العزل، في حرب البلقان الأولى، ما بين مجازر وحشية جماعية واغتصاب جماعي مما يعكس الحقد المكبوت تجاه المسلمين في تلك البلاد ومحاولة استئصال والقضاء على الوجود الإسلامي الممتد في تلك المنطقة منذ العصور الأولى للفتح الإسلامي صرح الرئيس البوسني حينذاك علي عزت بوجوفيتش في تصريح للكاتب الكبير فهمي هويدي نشره في مقال بجريدة «الاهرام» حينذاك، قال الرئيس البوسني إن الشوط الأول من حرب البلقان قد انتهى ولكن هذا ليس نهاية الحرب في البلقان فإن هناك شوطاً آخر لا نعرف متى سيبدأ؟ وها هو الشوط الثاني من تلك الحرب غير المتكافئة والتي تعكس عنصرية الغرب وحقده الدفين على الإسلام والمسلمين وهو ما ظهر جليا في المساعدات التي ارسلتها دول الجوار بلغاريا والصرب واليونان وروسيا من طائرات وغيرها من ناحية، وفي تصريحات وزراء خارجية تلك الدول الذين هرولوا الى مقدونيا فور بدء الأزمة من ناحية أخرى لشد أزرهم ضد «الارهابيين» المسلمين من الألبان كما صرح هؤلاء الوزراء فقال أحدهم إن الإرهاب ـ ويقصد به الإسلام ـ لابد وأن يستأصل من المنطقة وهذا ما أعلنته جميع الدول الغربية دون استثناء من خلال رفضهم ما طالب به الألبانيون من حوار مع الحكومة المقدونية. صمت دولي وعلى هذا الأساس رفضت القيادة المقدونية الحوار والمفاوضات مع جيش التحرير الألباني حينما طالبوا بالحوار للوصول الى حلول عملية من خلال الحوار بدلاً من الحرب والقتال فأعلنت مقدونيا الحرب عليهم بما حشدته لها دول الجوار من عدد وعدة للقضاء على هؤلاء الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة خصوصاً وأن الألبان يشكلون أربعين في المئة من أهل مقدونيا التي يبلغ تعدادها اثنين ونصف مليون نسمة يزيد عدد الألبان فيهم على مليون وهم محرومون من أبسط حقوقهم رغم أنهم يشكلون جزءاً كبيراً من الشعب المقدوني بما يساعدهم على تحقيق ذاتيتهم كمسلمين فشنت حرباً بالطائرات على مواقع جيش التحرير في الجبال ورفضت مطالبهم بالحوار مدعومة في ذلك بتأييد غربي كبير يغض الطرف عن دماء المسلمين المستباحة في الشيشان وفي البلقان وفي فلسطين التي يعاني أهلها من العدوان الصهيوني المدعوم أمريكيا وغربيا وفي غيرها من الاماكن ذلك وفي المقابل فإن المجتمع الدولي يهب مذعوراً لمقتل واحد أو بعض أفراد من اليهود في كمين ينصبه بعض المجاهدين في الجنوب اللبناني أو لجرح بعضهم إذا فجر أحد الشباب الفلسطينيين نفسه دفاعاًَ عن أرضه المغصوبة. وفي حوار مع اثنين من تلاميذي الألبان بجامعة الامارات العربية المتحدة والذين جاءوا للدراسة بها في منحة كريمة من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله قلت لهما وأحدهما من مقدونيا والآخر من كوسوفو: لماذا لم ينسحب جيش التحرير الألباني خصوصاً بعد أن شنت عليهم القوات المقدونية الحرب ورفضت الحوار حتى لا يتعرضوا للخسائر البشرية الكبيرة خصوصاً وأن الجيش المقدوني يمتلك الطائرات والأسلحة التي مدته بها دول الجوار؟ فأجاب الطالب المقدوني: إن انسحاب جيش التحرير يعني هزيمة الألبان وبالتالي ضياع حقوق الشعب الألباني داخل مقدونيا تماماً. إن الشوط الثاني في حرب البلقان والذي بدأ شرساً مما يذكرنا ويعيد الى الذاكرة شراسة العدوان الصربي على ألبان كوسوفو من قبل يبدو أنه يريد التخلص من الوجود الإسلامي في تلك البلاد بقتل ما يستطيع من المدنيين العزل لإرهاب الألبان على الفرار من البلاد وهو ما يشعر به المواطنون المسلمون فعلاً فبدأوا في النزوح الى كوسوفو أو على الحدود بعيداً عن أيدي القوات المقدونية المتربصة بهم وعلى هذا فإن هذه الحرب التي بدأت لا يعلم أحد متى ستنتهي ولا أظن ان هناك حلولاً في الأفق لهذه المشكلة اللهم إلا بالتخلص من هؤلاء «الارهابيين» كما يصفهم الغرب وكما يصف الروس المقاتلين في الشيشان ذلك البلد المسلم الذي يواجه حرب ابادة من أعتى القوى منذ ما يقرب من عشر سنوات ورغم قلة امكانيات المقاتلين الشيشان ورغم الظروف الطبيعية الصعبة التي يعيشونها فإنهم لم يستسلموا للقوات الروسية التي دمرت بلادهم وينزلون بتلك القوات الخسائر الفادحة. سيناريو المستقبل إن سيناريو الأحداث المتوقعة في مقدونيا لن يكون بعيداً بحال عن السيناريوهات السابقة في كوسوفو أو الشيشان وهو تشتيت شمل المسلمين وعدم السماح لهم بإقامة كيان مستقل داخل دولة أو حتى حكم ذاتي في ظل اتحاد كونفدرالي وذلك لأنه من قبيل المتفق عليه بين الشعوب والأمم الغربية ولكنه في الوقت نفسه من قبيل المسكوت عنه فيما بينهم هو عدم السماح بقيام كيان إسلامي مستقل داخل أوروبا مهما كان الثمن حتى لا يذكرهم بماضي المسلمين في الأندلس علماً بأنه ماض مشرف فهو الذي علّم الأوروبيين ونقل إليهم النهضة عن طريق تعلمهم على أيدي العلماء المسلمين وترجمة أعمالهم في مختلف فنون المعرفة ثم بنوا عليها نهضتهم الأوروبية الحديثة وهو ما شهد به المنصفين من علماء الغرب أنفسهم. إن ازدواجية المعايير التي يتعامل بها الغرب مع القضايا التي يكون الإسلام طرفاً فيها تعكس الحقد الدفين الذي يكنه الغرب وعنصريته الشديدة التي لم يستطع أن يتخلص منها رغم ما يرفعه من شعارات تنادي بالمساواة والعدل وحقوق الإنسان بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين، إن الغرب الذي فرض علينا الحرب في أطول حرب دينية عرفها التاريخ والتي استمرت أكثر من ثلاثة قرون الحروب الصليبية ثم بعد ذلك الاستعمار الغربي الحديث الذي استنزف خيرات الشعوب والأمم الإسلامية للأسف الشديد لم يستطع رغم دعوته للحوار الحضاري والديني من التخلص من رواسب الماضي الذي كان فيها دائماً هو الباديء بالعدوان. مواقف عنصرية ورغم هذه المواقف الغربية العنصرية التي تعبر عن نفسها في مختلف المواقف مثل ما حدث في فرنسا منذ عدة سنوات حينما منعوا فتاة مسلمة أقل من عشر سنوات من دخول مدرسة فرنسية لأنها ترتدي الحجاب «شعار المرأة المسلمة» فإن مستقبل الإسلام في الغرب في تزايد مستمر وذلك لأن الغرب رغم تقدمه المادي المذهل لم يستطع أن يوفر الأمان النفسي للمواطن الغربي الذي يشعر بالضياع والتيه، مما دفع الكثير من المفكرين الغربيين من التحذير من التدني الأخلاقي الذي هوت إليه الحضارة الغربية مثل الفيلسوف الألماني شبلنجر والفرنسي رينيه جوينو الذي أسلم وسمى نفسه عبدالواحد يحيى وكذلك جارودي وغيرهما كثير. ومن جهة أخرى فإن السكان الغربيين في تناقص مستمر وهذا ما تؤكده الاحصائيات الرسمية التي تخرج عن مراكز الدراسات الغربية وفي المقابل فإن الأقليات الإسلامية التي تعيش وتنجب أبناء شرعيين يتزايدون وبالتالي فإن مستقبل هذه الجالية في الغرب في تنامٍ مستمر وستشكل هذه الجالية في حدود العشرين عاماً المقبلة ما يزيد على ثلاثين في المئة في تلك المجتمعات. وعلى هذا فإن حرب البلقان التي تريد القوات المقدونية من خلالها القضاء على الوجود الإسلامي في تلك البلاد بمباركة أوروبية وغربية وسط صمت إسلامي مريب يدعو للدهشة كما يدعو للشفقة والرثاء لن ينجح مهما فعل وذلك لأن الله عز وجل تكفل بحفظ دينه وهذا ما يفسر لنا انتشار الإسلام في كل بقاع الأرض وليس ذلك نتيجة لجهود المسلمين الذين تخلوا عن دورهم في الدعوة إلى الإسلام في القرن الأخير نتيجة لما ألم بهم من محن ولكن نتيجة لقوة الإسلام الذاتية. وصدق الله إذ يقول: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون». ? كاتب مصري ـ جامعة الإمارات