الضجة العظمى التي تثيرها الولايات المتحدة حول الزعيم الصربي اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش ليست بسبب ما تصرح به واشنطن، وتملأ به الدنيا صراخاً وانما بسبب ما تحرص على عدم البوح به. فميلوسيفيتش مجرم ليس لأنه رمز لأفظع مجازر العصر في البوسنة وكرواتيا ومن بعدهما كوسوفو، وانما لأنه رمز لصمود آخر نظام اشتراكي في أوروبا بعد انهيار المعسكر السوفييتي. انظر في خريطة أوروبا الشرقية: النظام الاشتراكي المعادي للغرب الرأسمالي انهار في المجر ورومانيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألبانيا ليحل محله نظام لاقتصاد السوق موالٍ للغرب وخاضع له اقتصادياً وسياسياً. لكن في قلب هذه المنظومة تبقى يوغسلافيا كنموذج نشاز من وجهة نظر الغرب الرأسمالي لا يفتأ يذكر شعوب بلدان أوروبا الشرقية التي تكابد الآن الجوع والبطالة بأنها ارتكبت خطأ تاريخياً خطيراً بارتضائها النقلة من نظام كان يضمن لها رفاه السكن والتعليم والعلاج والتوظيف المجزي ووفرة السلع الاستهلاكية وكل لوازم الاستقرار الاجتماعي الى نظام يجعل من الرجال متسولين ومن النساء سلعة لشبكات الدعارة والجميع ضحايا لمنظمات المافيا. أجل إن سلوبودان ميلوسيفيتش مجرم حرب يتحمل المسئولية كرئيس يوغسلافي صربي دبر ونفذ سياسة الإبادة الجماعية ضد شعب البوسنة المسلم وضد الأقلية المسلمة لألبان كوسوفو. والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يجب أن يكونوا أحرص من الولايات المتحدة وغيرها على القصاص من ذلك الزعيم الصربي الدموي وكل من شاركه في جرائمه من قادة عسكريين ومدنيين. لكن «على المؤمن ان يكون بصيراً بزمانه» كما يقول النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم. فالحماسة الأمريكية للظفر بميلوسيفيتش ومطالبة واشنطن للقبض عليه وتقديمه كمجرم حرب الى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ليس منبعها تعاطفاً مع مسلمي البوسنة وكوسوفو. الولايات المتحدة تستهدف ما لا تصرح به... وهو نسف آخر قلاع الاشتراكية في أوروبا. وفي هذا الاتجاه تمكنت واشنطن من تحقيق نجاح جزئي بمساعدتها بعض الأقاليم في الانفصال من الاتحاد اليوغسلافي ـ البوسنة وكرواتيا وكوسوفو و«الجبل الأسود»... لكن الاقليم الأكبر ـ صربيا ـ بقي صامداً تحت ظل النظام الاشتراكي وسيطرة حزب شيوعي. من المنظور الأمريكي إذن فإن اعتقال سلوبودان ميلوسيفيتش تمهيداً لتقديمه الى محكمة جرائم الحرب الدولية هو الخطوة الأولى لإشانة سمعة «الحزب الاشتراكي» الذي يتزعمه ميلوسيفيتش تمهيداً لتدمير الحزب نهائياً... وبذلك تتهيأ أرضية سياسية جديدة لقيام نظام رأسمالي في يوغسلافيا يحكمه رأس المال الأمريكي عبر أسواق المال العالمية كما جرى لدول المعسكر السوفييتي السابق... ومن ثم تضم يوغسلافيا الى عضوية حلف ناتو لتكون مستعمرة عسكرية أمريكية. بناء على هذا المخطط فإن الدور المطلوب من رئيس يوغسلافيا الحالي فويسلاف كوشتونتسا هو دور الزعيم السوفييتي الأسبق ميخائيل جورباتشوف. غير أن النوايا الأمريكية تفضحها ملاحظة صغيرة، فقائمة الاتهام الموجهة الى ميلوسيفيتش بواسطة محكمة جرائم الحرب الدولية تشتمل على بند واحد: مذابح كوسوفو في عام 1999. وكون أن المحكمة أسقطت مذابح البوسنة من لائحة الاتهام فلأن العصابات الصربية ارتكبت تلك المذابح بحماية أو تستر من «قوات السلام الدولية»... وفي مقدمتها القوات الأمريكية. أحمد عمرابي