كان لافتاً للنظر أن المسيحي الوحيد على مستوى القادة العرب الذين جمعتهم القمة العربية في عمّان في الأسبوع الماضي، هو الذي استشهد بالآية الكريمة (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى). هذه الآية الكريمة التي نطق بها الرئيس اميل لحود رئيس الجمهورية اللبنانية، ربما هي التي تصف على وجه الدقة المعنى العميق في معاصرته لوصف حال العرب اليوم، وأنا أقول اليوم هنا بمعنى التاريخ المعاصر وليس الحاضر فقط. فالخلافات العربية ـ العربية مزمنة ومتعددة الأوجه الى درجة أصبح من العسير الاحاطة بها جميعاً... تتغير وتتبدل الأسباب، وتختلف التحالفات ولكن الخلافات تظل مزمنة: بمعنى عدم القفز على بعضها إلا للوقوع في حبائل أخرى موجودة، ولعل من صفاتها الدائمة أن العرب لا يتعلمون من اخطائهم الا نادراً. ملف الخلافات ويبدو للمتابع ان الخلافات العربية هي خبز العرب وماؤهم، لأن البعض يرى في استمرارها نعمة لا تفوقها نعمة اخرى، وفائدة لا تتجاوزها فائدة اخرى. ملفات الخلاف العربي ـ العربي كثيرة تمتد من الشمال الى الجنوب، ومن الغرب الى الشرق، ولم تعقد قمة عربية حتى تاريخ كتابة هذه السطور، إلا وتغيّب عنها البعض، إما بالمقاطعة الكاملة، وإما بتخفيض مستوى التمثيل، ربما لأن هذا «البعض» لا يرى في الحضور فائدة تذكر. والقمم التي اكتمل نصابها على مدى الأربع والعشرين قمة الماضية تعد على اصابع اليد الواحدة. ما الفائدة الحاصلة من الخلافات العربية ـ العربية؟ انها كثيرة، دعونا نستعرض بعضها، فالبعض يرى في الخلافات بين أطراف عربية فائدة اقتصادية كبرى، وكلما استمرت هذه الخلافات زادت الفائدة، خاصة إن كانت بعض أطراف هذا الخلاف قادرة وراغبة في ضخ أموال سائلة أو هبات لطرف طلباً للنصرة والمساندة، ولعل مثالين قريبين إلى أذهاننا يعنيان ما نريد على وجه التقريب، هما المثال الليبي والمثال العراقي، فقد وقعت ليبيا في مأزق دولي، (بقطع النظر عن مدى صدقية الموقف الليبي من عدمه في هذا المأزق)، ولكنها وجدت نفسها في صراع مع القوى الدولية أدى إلى حصار اقتصادي وسياسي في السنوات العشر الماضية، حيث لجأت إلى من لجأت إليه من العرب، وكان بعضهم سخياً بالنصيحة وبعضهم مطالباً بأثمان اقتصادية مباشرة أو من وراء حجاب، والمساعدة عن طريق تسهيل الاتصال بالخارج عبر طرف ثان، وهكذا راوحت القضية الليبية في مكانها تقريباً، وحاولت الالتفات عن المحيط العربي والاستعاضة عنه بالأفريقي، فوجدت أن الأثمان متقاربة، وهكذا ظلت ليبيا تراوح في مأزقها، إلى أن قُيض لها أطراف ليس لها مصالح مباشرة في استمرار الحصار، وتتمتع في الوقت نفسه بالعقلانية لإقناعها بحلول متفق عليها، فكانت المملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا، وبدأت سلسلة الحل والانفكاك من هذه القضية التي استنزفت الاقتصاد الليبي بسبب كثرة الضغط عليه. الافتراض هنا أن البعض لم يكن من مصلحته الاقتصادية والسياسية رفع الحظر عن ليبيا، لأنه ـ ببساطة ـ رأى أنه سيحقق فائدة من وراء ذلك، وسيكون هذا البعض «سعيداً» لأن ليبيا أولاً ستبقى منشغلة بهذه القضية كلياً وبالتالي ليس لديها الوقت أو الطاقة لفتح جبهات مشاغبة، وثانياً لأن هناك مصالح سيحققها هذا البعض بسبب حاجة ليبيا الدائمة للعون والمناصرة. أما المثال الأوضح فهو حالة العراق، فهناك بعض الأطراف العربية تحقق فائدة من جراء العقوبات المفروضة على العراق، والاستفادة الاقتصادية واضحة المعالم في تدفق النفط الرخيص إرضاءً لمصالح سياسية متوقعة، أو الاستفادة من برنامج «النفط مقابل الغذاء» الذي يدر على بعض الاقتصاديات العربية أموالاً طائلة، عدا أن انشغال العراق بهذا الملف يبعده عن الخوض في قضايا قد يدس أنفه فيها لو لم يكن منشغلاً بما جره على نفسه من ويلات. تكتيك العداء والمصالحة الوجه الثاني صحيح أيضاً. فالبعض يريد أن يعيد العراق الى الصف العربي بما هو عليه من ميل للعدوانية، على افتراض أنه في وقت ما في المستقبل يمكن أن يناصر هذا البعض في قليل أو كثير من قضاياه المعلقة، وهو افتراض قابل لأن يكون صحيحاً، بالنسبة نفسها لقابلية أن يكون خاطئاً. هنا إذن بعض الأطراف العربية تتغذى في صورة مباشرة أو مداورة على الخلافات العربية ـ العربية جلباً لمنفعة أو دفعاً لشر متوقع. وهكذا هي الحال في القضايا العربية المعلقة. فالتنسيق الفلسطيني ـ السوري ـ اللبناني الذي كانت المبادرة فيه للرئيس بشار الأسد بفتح صفحة جديدة، قد ينفرط عقده مع أول جلسة مفاوضات بين الرئيس عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي شارون، وقتها سيكون الرئيس عرفات قد حقق ضغطاً تكتيكياً استفاد منه (حسب تقديره) دون الالتزام بما تعهد به للمصالحة بتحديد الثوابت التي ذكرها الرئيس الأسد. هذا التكتيك العربي في العداء والمصالحة يمثل سمة من سمات السياسة فيما بين الدول العربية. وقد يرى البعض أن ذلك هو طبيعة السياسة، وقد يكون محقاً، إلا أن الفترة الزمنية في التقلبات العربية غالباً قصيرة المدى وغير متوقعة إلى درجة الإرباك. المصالح متناقضة لقد قام العراق في الأشهر القليلة الأخيرة بحملة اقتصادية سعياً إلى تحقيق هدف سياسي، آملاً أن يحقق ما يريد في القمة العربية. ووجهة نظره أن العقوبات المفروضة عليه هي في أساسها «عربية» اتخذت عندما لم تسانده القمة العربية في أغسطس 1990 إثر احتلاله الكويت، لذا يجب أن ترفع في هذا المحفل نفسه، وباستخدام ذلك غطاء للضغط في المحافل الدولية، ولم يكن النظام العراقي ليحسب ـ في ضوء اندفاعه ذاك ـ أن هناك مصلحة واقعية لاستمرار العقوبات، لأنها تمثل مصلحة اقتصادية ما دام راغباً أن يضخ في اقتصاديات دول عربية اموالا وبضائع نفطية، ما دام يشكل «بعبعاً» للآخرين يمكن التهديد به. والحق يقال إن هذا الدور لعبه النظام العراقي باقتدار منقطع النظير، بصرف النظر عن الدوافع من ورائه، والتي ربما يكون من بينها الاستفادة من الوضع القائم لأنه يحقق أفضل المصالح والتوازنات. لقد سجل الشيخ صباح الأحمد رئيس وفد الكويت للقمة العربية في عمان ـ وبشهادة الكثيرين ـ خطوة ممتازة في إعلانه في الجلسة الختامية أن الجميع موافق على رئاسة الملك عبدالله الثاني ملك المملكة الأردنية الهاشمية للجنة التي سوف تنظر في هذا الملف، وربما كانت الكويت من بين القلائل الصادقين وغير المناورين الساعين لإيجاد مخرج معقول لهذا الملف، كما كانت المملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا صادقتين حيال الملف الليبي. وذلك يعود إلى أن الكويت هي آخر من يؤيد الفائدة السياسية أو الاقتصادية الآنية أو المناورة، لأن حياة واستقرار شعب العراق وأمنه تمثل لديها ما هو أثمن بكثير من كل الفوائد الاقتصادية أو المكاسب السياسية الآنية. ستظل الخلافات العربية ـ العربية (الظاهرة أو المستترة) تمثل حجر عثرة في طريق إيجاد وفاق معقول بين الدول العربية، فالمصالح متناقضة، والثقة المتبادلة في حدها الأدنى، والفوائد الاقتصادية أو السياسية أو الاستراتيجية التي سيجنيها البعض من هذه الخلافات محققة، وبالتالي فالقمم العربية ليست هي الفضاء الجاد لحل هذه الخلافات بعيداً عن المؤسسات الدولية. وكل ما تحقق من سعي للإبقاء على مستوى الخلافات العربية في الحد الأدنى، أو محاولات الحل، انما جاء من خلال تفعيل عمل المؤسسات الدولية التي تستطيع أن تنظر للأمر بعيداً عن المصالح التكتيكية للأطراف المختلفة، وفي ذلك يصدق الاستشهاد الذي ذكره الرئيس لحود بالآية الكريمة: «تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى»... ولو أراد الدقة لقال، بلغة مباشرة، إن التشتت أيضاً في المصالح، وكذلك في العقول.