انتهت قمة العرب الدورية الأولى ببيانها الجامع ما بين الخطابة والرتابة، وأسدل الستار على لقاء تاريخي خلّف وراءه طعم «الواقعية العربية» ومن واقعية تعني في «لسان العرب الجديد الذي هو غير لسان ابن منظور» الخضوع للواقع في حين ان واقعية الأمم الأخرى تعني اخضاع الواقع لطموحات الشعوب، الحصيلة كانت معتادة فيما عدا البلاغة، ولم نحقق خطوة إصلاح ذات البين بين الكويت والعراق، لأن أغلب العرب مع الأسف تعاملوا مع ما اصطلحوا على تسميته بالحالة العراقية الكويتية تعاملاً خاطئاً لم يؤسس على تقييم صحيح لأصل الكارثة. وقد ذكرت بأصل الكارثة في برنامج قناة الجزيرة للنقل المباشر لحفل افتتاح القمة حين أتيح لي الكلام فقلت انه من الخطأ مساواة الظالم بالمظلوم، وأن أصل الكارثة هو ليلة الثاني من أغسطس 1990، تلك التي فتحت أبواب الجحيم أمام العرب، وأعطت الفرصة الذهبية للتدخل الأجنبي المُر.. والذي اضطرت إليه الكويت بما هو أمرّ منه حتى لا تُمسح دولة عربية من الخارطة، فهل أمِنَ الأخوة الكويتيون من التهديد، وهُم بلا شك يتألمون لما أصاب اخوانهم العراقيين من المواطنين الأبرياء من حصار وتجويع وترويع، وإن لي في العراق أصدقاء منهم من كان عضواً في الوفد الرسمي العراقي بقمة عمان الأخيرة كالسفير طه نوري اللويس الذي كان في مطلع الثمانينيات سفيراً للعراق بتونس، ويتحمل اليوم مسئوليات بوزارة الخارجية ببغداد، كما لي من العراقيين أصدقاء في مجالات الإعلام والأدب أكثر مما لي من بين الكويتيين، لكن علاج الداء يقتضي التشخيص الصحيح والحالة بين الكويت والعراق هي حالة جراح لم تندمل لأن المواقف لم تتغير وكنا نتوقع من رسالة الرئيس العراقي ان تطوي صفحة سوداء وتفتح أخرى بيضاء ناصعة، عوض ذلك الدرس في تاريخ انقلاب عبدالكريم قاسم والذي سحله العراقيون عام 1963 مثلما سحل مو ـ سامحه الله ـ نوري السعيد وتمكّن بعض الزعماء الحكماء العرب من انقاذ المرحوم محمد فاضل الجمالي ذلك المربي المثقف الفاضل، وزير الخارجية في عهد نوري السعيد وموقع ميثاق ميلاد جامعة الدول العربية، وكان على مدى سنوات اقامته بتونس من أصدقائي وأساتذتي المتميزين. إن أغلب القادة العرب ينظرون إلى المستقبل آملين ان تصدر عن بغداد إعادة تقييم جريئة لأصل الكارثة ولأسبابها حتى نعالج مسبباتها وتداعياتها مما تستنكره بغداد اليوم، وبالطبع فإن أول ضحايا الكارثة هو شعب العراق العروبي المؤمن الصامد ثم التضامن العربي من المحيط إلى الخليج والذي أصابته حمى وفوضى الانقسام ولنعد إلى اليوم لنتأمل فداحة الغطرسة الاسرائيلية والطغيان الأمريكي والعجز العربي: ثلاثية ماثلة للعيان لا غبار عليها، اسرائيل دكت هذا الأسبوع بالقذائف الممنوعة مباني مدنية في غزة ورام الله وقصفت الخليل وتنتقم من مدنيين عزل حين يتصدى لها فدائيون يدفعون أرواحهم ثمنا بخسا في جهاد مشروع، أمريكا تتوعد ياسر عرفات والقادة العرب جميعاً كأنهم رعاياها، وتؤكد لمن لم يفهم بعد بأن أولوية الاستراتيجية الأمريكية هي التفوق الاسرائيلي، بل وقال الناطق بلسان الخارجية يوم يوم الأربعاء الماضي: «لسنا في حاجة لتبرير مؤازرتنا القوية لإسرائيل، فهي عنصر ثابت مستديم في سياسة واشنطن، إذ لم يعد هناك لبس أو مجاملة فليعتبر العرب من ذلك». أما العجز العربي ـ إلا عن الخطابة ـ فهو لن يحل معضلات العرب بل سيفاقمها، ما دمنا لا نقيم دولنا العربية على أساس التوافق بين ارادة الشعب وارادة القيادة، وقد قالها بصراحة جارحة بنيامين نتانياهو في مقال بصيحفة «هآرتس» حين أكد بثقة منذ أسبوعين بأن انعدام الحريات في المجتمعات العربية يجعل كل اتفاق (اسرائيلي) معمم غير ذي جدوى في صورة اجراء انتخابات صادقة ونزيهة في العالم العربي، وهو يطالب شارون بأن ينهج نهج السلام البارد مع العرب بالتوازي مع قمع النشطاء أينما كانوا. هذا هو حالنا.. بل حالتنا العربية، ولعل عمرو موسى يستطيع أن يغير شيئا بإعلان ثورة ثقافية داخل بيت العرب، تجعله رائداً لا تابعاً، مبادراً لا قابعاً، متكلماً لا سامعاً، يعيد نفخ الحياة في مؤسسات السوق العربية المشتركة والدفاع العربي المشترك وينشئ محكمة عدل عربية ويجسر العلاقات المستديمة مع مؤسسات المجتمع المدني العربي غير الحكومية استعدادا لبرلمان عربي موحد.