تكاد تحس ان الهواء الذي تتنسمه في دبي معطر بأنغام وألحان مستقاة من رحيق الابداع كيف لا.. وقد احتفلت دبي بشدو «كوكوش» الصادح، وبنبرات فيروز التي تترقرق مثل قطر الندى اذ يتنفس الصبح مفضياً الى وعود النهار. في العام الماضي عادت كوكوش مطربة ايران الاولى الى الغناء بعد نحو من عشرين عاماً من الانقطاع. حفلاتها الاولى بعد العودة احيتها ـ فيما نعلم ـ في كندا يومها كانت بنيويورك تستضيف الفقير كاتب السطور خبيراً للصحافة لدى الامم المتحدة ولأننا فتحنا العين وخضنا النشأة الأولى على ضفاف النيل ـ بحر النيل كما يسميه عامة المصريين ـ فقد اخترنا شقة استأجرناها بضعة اشهر تطل على مياه الإيست على مقربة من مبنى المنظمة الدولية في مانهاتن والايست ـ كما لعلك تعلم ـ له شكل النهر ولكنه ليس نهرا بل هو امتداد مستطيل للبحر المحيط الذي تقع عنده نيويورك ومن ثم يمكن ان يصدق عليه وصف اللانهر واللابحر في آن.. أو كما قد نقول انه «بهر» او «نحر» من مزج الوصفين.. والله أعلم. صاحبة الشقة الموعودة شابة ايرانية مثقفة ما ان سلمتنا المفاتيح وقبضت المعلوم حتى استعدت للسفر شمالاً بالسيارة الى الاصقاع الكندية كي تسمع كوكوش وتستعيد مع أنغامها وشدوها ما شاء لها الله ان تستعيد من صور وطيوف وذكريات.. وعندما عادت اهدتنا بضعة تسجيلات للمطربة الايرانية ومنها أغنية كانت المغنية تصدح بها في نشيد او هو نشيج يكاد يشق شغاف القلب.. وعندما سألنا عن الترجمة قالت السيدة الايرانية ما معناه ان كوكوش تتساءل: ـ اي زمن هذا الذي يعد فيه الغناء حراما؟ نعم.. اي زمن ذلك الذي تتكاثف فيه الغيوم وتصبح فيه النغمة الجميلة العذبة المعبرة أقرب الى العملة الصعبة تاركة الساحة خالية لنعيق البوم ورغاء الهوام ونعير السوائم وانت تسمع الشدو الجميل.. في اي لغة من لغات البشر.. فإذا بالقلب يتفتح مثل زهرة مونقة في مستهل الربيع.. واذا بالمرء يحس ان الحياة باتت اسمى وانبل وأجمل فما بالك اذا جاء النشيد مفعماً بالشجن الذي يمس اكثر من وتر بين جوانح الانسان.. يستوي في ذلك صوت مطربة ايران المفعم بالحيوية او صوت فيروز المندى برقة العصفور او صوت سيلين ديون مطربة كندا الذي يحملك بايقاعه الصادح على أجنحة العذوبة في لحن التيتانك الشهير.. دع عنك العظمة على العظمة.. صاحبة العصمة ام كلثوم اذ تصل بأسماعنا وتأخذ بأفئدتنا وقد تغشاها طائف الشجن الجليل الى قرب ختام الأطلال تقول: وانتبهنا بعدما زال الرحيق وافقنا.. ليت انا لا نفيق واذا النور نذير طالع واذا الفجر مطل كالحريق واذا الدنيا.. كما نعرفها واذا الأحباب.. كل في طريق وبالمناسبة كان لنا في فترة الطلب استاذ للغة العربية تعلمنا منه اكرم الله مثواه في الدنيا والآخرة فن تذوق الفن.. وكان يترنم بهذه الأبيات او تلك ويقف عند مواطن الابداع الرائع فيها ثم يهتف بنا نحن التلاميذ المبهورين المنصتين. يا اولاد.. هذه اللقطة من باب الاستعارة او الاستدراك او الاحتراس او التشبيه.. ادفع فيها مليون جنيه مثلاً: كان يردد بيت شوقي الجميل في نهج البردة: يا لائمي في هواه، والهوى قدر لو شفك الوجد، لم تعذل ولم تلم وكان مستعداً لدفع المليون جنيه لقاء عبارة الاحتراس أو التتميم البليغة حقاً في قول شوقي «والهوى قدر». وكان يقرأ كذلك بيت امير الشعراء في معارضته لكافية ابن زيدون ويفتتحها عبدالوهاب من شعر شوقي يقول: ردت الروح على المضنى معك أجمل الأيام يوم أرجعك مر من بعدك ما روعني أترى، يا حلو، بعدي روعك؟ إلى ان يصل الى بيت شوقي «وهنا وجوب دفع المليون جنيه»: ارجفوا انك شاك موجع ليت لي، فوق الضنى، ما اوجعك وطبعاً كان المبلغ جديراً بأن يسدد فوراً لقاء بلاغة الاحتراس او التتميم في قوله: «فوق الضنى». ويعلم الله ان استاذنا القديم الجليل كانت ثروته علمه وذخيرته، ثقافته وخزانته، ذائقته الفنية العالية وما كان ليحتكم لا على مليون من الجنيهات ولا حتى الملاليم. ألا ترى اننا بدورنا على استعداد لدفع المليون جنيه ايضاً لقاء عبارة «واذا الدنيا كما نعرفها» التي نقرأها في بيت ابراهيم ناجي الذي تشدو به أم كلثوم؟ ثم يتلوها التأكيد قائلاً: واذا الاحباب كل في طريق.. في العبارة ايماء دال وتلميح بريشة الفن المبدع الى ان هذا هو حال الدنيا ودأبها وديدنها.. وعندما صاغ السنباطي العظيم لحنه الاطلال زود العمل الفني بشحنة لا تكاد تفرغ من شجن العذوبة واستطاع ان يبلغ باللحن ذرى الفكر الموسيقي في زماننا المعاصر فأنت تسمع كوكوش تعاتب تقلبات الزمن الصعب، وتسمع سيلين ديون تصدح بمناجاة الحياة قبيل المأساة وتسمع فيروز تلاغي ورقه الاصفر شهر ايلول.. وقد اعادت لها ذكريات حب عميق وقديم.. وتسمع أم كلثوم وقد انتبهنا ـ معها ـ وقد زال الرحيق وافقنا ليت انا لا نفيق.. يقظة طاحت بأحلام الكرى.. وتولى الليل، والليل.. صديق.. انت تصغي الى هذا كله فتكاد تستدعي كل لحظات الشجن التي ما زالت راسية، راسخة في قاع الذاكرة: عذابات الارغول قرب السواقي على ضفاف النيل.. انات الناي في البراري.. ليلة مصرع ماكبث العاهل الطيب البريء في روايات ويليام شكسبير.. صوت النوارس البحرية واغتيال الاشجار في بستان الكرز عند انطون تشيكوف.. استغاثة الكروان في لحظة الغروب.. اغاني الجنوب التي تنشدها الاصوات الرجالية الوئيدة الخشنة من مستوى الباص الاقرب الى قرار القرار يحوطها طائف الحزن الجليل مكتوما بين جوانح البشر.. اقرب الى زفرات المكلوم تكاد تحكي عذابات ومعاناة.. وتصور شظف العيش وصروف الزمن وتقلب الحدثان. ومن عجب ان تتسم بهذا كله اغاني الجنوب.. كل جنوب يستوي في ذلك المقامات الحزينة في جنوب العراق.. أو اناشيد اهل النوبة الطيبين في مصر الندية كتبت عليهم الاقدار ان يفارقوا مسقط الرأس وموطن الذكريات ثلاث مرات في مدى ستة عقود لا تزيد من القرن العشرين. مرتان مع انشاء خزان اسوان ومرة مع تشييد سد اسوان العالي ويستوي مع هذا ايضاً ما تناهى الى أسماعنا في الولايات الجنوبية من امريكا أغاني «البلوز» كما يعرفونها ويسمعونها على ألسنة السود من أحفاد العبيد السابقين الذين خلفوا لذريتهم تاريخاً حاشداً بما كابدوه من صنوف الرق والقهر والحرمان او يستوي ايضاً مع ما كنا نسترق السمع اليه من أغاني ابناء جنوب السودان اذ كنا نتجول عائدين في الاحياء الفقيرة الشعبية التي يسكنونها من العاصمة الخرطوم هنالك لا يعد الغناء ترفا لازجاء فراغ بل يصبح وسيلة حيوية للتعبير واسلوباً من أساليب الحياة يعين الناس على التحمل والاستمرار.. لا عجب ان لا نزال نردد شدو أم كلثوم من شعر بيرم التونسي وموسيقى زكريا احمد: .. المغنى حياة الروح يسمعها العليل تشفيه