منذ مجيء الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى الحكم ضاعفت فرنسا اهتمامها بمصالحها في القارة الأفريقية، نقرأها في زيارات شيراك المتتالية، لمعظم الدول الأفريقية العضوة في المنظمة الفرانكفونية، والتي كانت مستعمراتها فرنسية قبل ذلك، لكنها ظلت تتلقى مساعدات مالية واقتصادية من فرنسا. ويُعرف عن الرئيس الفرنسي ميوله الديجولية الداعية إلى المحافظة المطلقة على مصالح فرنسا بأفريقيا بإبقائها تابعة لمنطقة الفرنك الفرنسي، ولم يحدث أن أولت فرنسا هذا الاهتمام المفرط بأفريقيا منذ الثمانينيات كما هو حاصل مع الحكومة الراهنة، ويمكن قراءة ذلك في التخوف الذي أبداه الرئيس الفرنسي من اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية وبعض القوى الاقتصادية الفاعلة في السوق الدولية مثل اليابان والصين على انه توجه جاء لكسر الطريق أمام المصالح الفرنسية في منطقة ترى فرنسا انها تخضع لمصالحها ولا يجوز لأية قوة سواء كانت قوة أمريكية ويابانية ان تقترب من هذه المنطقة الحيوية بالنسبة لفرنسا. المنافسة الأمريكية الفرنسية على من تكون له الغلبة والأولوية في الاستحواذ على الأسواق الأفريقية على أشدها، وذلك منذ تفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية حيث وجدت الولايات المتحدة الأمريكية بأن الوقت معها لإدارة الترتيبات الدولية وفق مصالحها الاستراتيجية بوصفها قوة دولية تتمتع بثقل استراتيجي في أوروبا وحوض المتوسط وتمتلك مصالح في العديد من المناطق الجغرافية منها المنطقة الأفريقية، وفرنسا لا ترغب أن تبقى تابعة للسياسة الأمريكية الجديدة واتضح ذلك عندما اختلفت مع الولايات المتحدة الأمريكية حين أرادت الإدارة الأمريكية إعادة النظر في استراتيجية حلف شمال الأطلسي بجعلها استراتيجية مرنة تتمتع بحق التدخل السريع في جميع مناطق العالم حيث النزاعات الإقليمية والدولية، بهدف ضمان الأمن والاستقرار، وعندما فسرت التوجه الأطلسي الجديد على انه توجه أمريكي الهدف منه احتواء جميع الدول تحت المظلة الأمريكية وأولها احتواء القوى الكبرى وذلك بمراقبة تحركاتها العسكرية ومنعها من التفكير في استقلالها عن الأمن الدولي الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن فرنسا تتبنى سياسة (الاستكبار العالمي) التي وضع طروحاتها الرئيس الأسبق ديجول الذي كان يطالب دوماً بأن تحافظ فرنسا على استقلالية قراراتها وسيادتها بوصفها قوة نووية، وهي تلك الاطروحات التي يؤمن بها جاك شيراك الذي زار منذ مدة بعض الدول الأفريقية في سياق اعادة (مجد فرنسا القديم) والمعبر عنها بـ (سياسة الاستكبار العالمي). وتمكن الرئيس الفرنسي آنذاك من أن يقنع بعض الحكومات الأفريقية بضرورة بناء شراكة فرنسية أفريقية في مجالات الاقتصاد والتجارة والثقافة وقدم لها دعماً مالياً لإنعاش اقتصادها المنهار وتتخوف فرنسا من احتمال دخول الولايات المتحدة حلبة المنافسة معها في عملية مساعدة الحكومات الأفريقية مادياً، إلا أن الملاحظ أن فرنسا تمكنت من احتواء معظم الدول الأفريقية في الدائرة الفرنسية والدائرة الأوروبية ممثلة بدول الاتحاد الأوروبي التي كانت أبرمت اتفاقي لومي الأول والثاني مع الدول الأفريقية كي تبقى أفريقيا خاضعة للهيمنة الفرنسية أو الأوروبية. ويظهر أن الولايات المتحدة تعمل بصمت على إعادة ترتيب سياساتها تجاه الدول الأفريقية خاصة تلك الناطقة باللغة الفرنسية للنظر في الاحتياجات التي يمكن أن تقدمها واشنطن إليها، حتى ان الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش صرح أنه يحث حكومات الدول الأفريقية على انتهاج الديمقراطية وفتح الحريات السياسية والإعلامية، ويعني فيما يعنيه أن الولايات المتحدة الأمريكية ستسعى إلى تعميم مشروعها السياسي والاقتصادي والثقافي في اطار سعيها إلى تثبيت زعامتها وهيمنتها على العالم. وفي اطار ان النموذج الغربي الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية لا يجب أن يقتصر تنفيذه على الدول الأوروبية الشرقية فحسب بل يتوجب تعميم المشروع على جميع دول العالم ومنها الدول الأفريقية. وبمعنى آخر فإن واشنطن ترغب في (أمركة) القارة الأفريقية وإزالة (الجذور الفرنسية) المتجذرة في معظم الدول الأفريقية وربما احتمال استبدال منطقة (الفرنك) بمنطقة الدولار الأمريكي. وقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية ترتب لإعداد مشروع كبير يساعد الدول الأفريقية اقتصادياً وذلك بمدها بقروض وتسهيلات مالية كبيرة، كما أنها تفكر في إنشاء مناطق للتبادل الحر يشرف عليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمة العالمية للتجارة التي توظفها واشنطن لخدمة مصالحها الاقتصادية. ولكن قادة فرنسا حذرون جداً ومتذمرون كثيراً من الخطوات التي ترغب الإدارة الأمريكية السير عليها في القارة الأفريقية مستقبلاً، لأن فرنسا لا تقبل أن تنافسها القوى الأخرى على منطقة لا تزال تعتبر منطقة تتبع نفوذها المباشر، ولهذا السبب تحفظت على التوقيع على اتفاق تغيير استراتيجية حلف شمال الأطلسي لأن الاتفاق يعطي أمريكا حق التدخل العسكري المباشر في جميع مناطق العالم الجغرافية المتوترة، لأنها تعلم ما ترمي إليه الولايات المتحدة وهو تضييق واحتواء تحركات القوى الدولية الثانوية كفرنسا وبريطانيا، وربما لهذا السبب طالب الرئيس الفرنسي البرلمان الفرنسي بالموافقة على زيادة نسبة المعونات الاقتصادية الممنوحة للدول الأفريقية الناطقة باللغة الفرنسية لكي تبقى هذه الدول تحت رحمة المساعدات المالية الفرنسية، وأكثر من ذلك كله أعلنت فرنسا رغبتها المشاركة في تمويل العديد من المشاريع الأفريقية كبناء المركبات الصناعية وتحديث القطاع الفلاحي وحفر الآبار الجوفية، كما أعلنت عن مشروع كبير للسنوات المقبلة يقضي بتوسيع المراكز الثقافية الفرنسية بأفريقيا إلى المدن النائية بهدف (تطوير البرامج التعليمية). ويستشف من جميع هذه المشاريع الفرنسية والأمريكية مدى المنافسة الشرسة بين القوتين على منطقة لا تزال منطقة خاصة بهما لم تستغل بالشكل الكافي، لأجل ذلك يتوقع أن تتراشق القوتان إعلامياً في المستقبل. ذلك أن فرنسا حساسة من ملف العلاقات الأمريكية الأفريقية. فبماذا ترد فرنسا على الادارة الأمريكية إذا تزعزعت مكانتها الاستراتيجية في منطقة نفوذها المباشر؟ ? كاتب جزائري