قد يأتي يوم في المستقبل القريب، ربما بعد شهور وليس سنين، نلتفت فيه للوراء لنقول لأنفسنا بعد ذلك إن التصالح الذي تحقق بين الرئيس بشار الأسد، والرئيس ياسر عرفات كان نقطة تحول خطيرة في مسار تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. فهذا التصالح بين القيادتين السورية والفلسطينية مرشح الآن، وفق التصاعدات النوعية للانتفاضة في الأرض المحتلة في تجاوب مع التصعيد الإسرائيلي وسفور العداء الأمريكي، ربما يتطور سريعاً إلى مستوى تحالف نضالي ذي تأثير قوي على موازين الصراع. يقول معظم المتابعين لمسار العلاقات السورية الفلسطينية انه لو لا رحيل الرئيس السابق حافظ الأسد لما تحقق التصالح الذي تجلى علناً في ذلك اللقاء الودي التاريخي بين الرئيسين بشار وعرفات على هامش قمة عمّان في الأسبوع الماضي. وما يستند إليه أولئك المتابعون هو انه مع رحيل الأسد الكبير تلاشت تلقائياً تراكمات سنين طويلة من الخلافات التي اتخذت طابعاً شخصانياً بين الرئيس حافظ والزعيم عرفات. هذا صحيح... ولكن صحته جزئية، بل وثانوية. ففي تقديري أن التصالح السوري الفلسطيني فرضته بالدرجة الأولى ظروف موضوعية استثنائية تتمثل في تبلور الفشل الكامل والنهائي لما يسمى بعملية سلام الشرق الأوسط وثبوت النوايا الإسرائيلية المؤيدة بنوايا أمريكية بأن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والأرض السورية باق باسم السلام.. وأن «إسرائيل الكبرى» مخطط استراتيجي جاد وليس مجرد شعار أجوف. أكثر من أي وقت مضى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي البالغ من العمر أكثر من نصف قرن يتجلى الآن، من خلال تعامل الآلة الحربية الإسرائيلية مع الشارع الفلسطيني، الخطر الإسرائيلي بأوضح وأشرس صوره. ولم يعد موضع استنتاج أو تكهن أن تدجين الفلسطينيين، إذا كلل المخطط الإسرائيلي بنصر نهائي، سوف يتبعه مباشرة استهداف أشقائهم السوريين. في تقديري ان انجلاء جسامة هذا الخطر الماحق هو الذي دفع بالقيادتين الفلسطينية والسورية، استشعاراً لغريزة حب البقاء، إلى التفكير في تصالح يفضي إلى تحالف. تأسيساً على هذا الاستنباط فإن الأمور مرشحة لتداعيات منطقية في المساحة الزمنية للمستقبل المرئي. فلا يعقل، وقد دخل الصراع العربي الإسرائيلي أخطر مرحلة في تاريخه، أن ينتهي الأمر عند القبلات المتبادلة بين بشار وعرفات. المصالحة خطوة استهلالية. أما الخطوة العملية التالية فسوف تكون في تقديري إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن تمتد يد عرفات لتصافح جورج حبش ونايف حواتمة بمباركة دمشق... ومن ثم تعاد هيكلة المنظمة لتنطلق كتنظيم ديمقراطي بقيادة جماعية في خدمة الانتفاضة. والمصالحة الفلسطينية السورية لابد أن تفتح الطريق لالتقاء بين المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية يمهد لتحالف نضالي بين منظمة التحرير بشكلها الجديد و«حزب الله». ولا يستطيع أحد بالطبع في هذه المرحلة المبكرة أن يؤكد بصورة قاطعة ما إذا كانت هذه النقلات سوف تتحقق ضربة لازب ومتى سوف تتحقق؟ لكن هناك شيء واحد على الأقل يمكن الركون إليه... وهو أنه كلما تصاعد الفوران في الأرض الفلسطينية بتناغم التصعيد الفلسطيني مع التصعيد الإسرائيلي الوحشي، كلما كان ذلك أدعى لتسريع إيقاع التصالح الفلسطيني السوري صوب آفاق نضالية أرحب.