أضواء على زيارة مبارك لواشنطن، بقلم جيمس زغبي يخوض الرئيس المصري حسني مبارك في مياه حافلة بأمواج المتاعب عندما يزور واشنطن خلال الأسبوع الحالي، فقد أدى تصاعد العنف في الشرق الأوسط، وانتخاب أرييل شارون رئيساً لوزراء إسرائيل إلى إعطاء دفعة من الجرأة للصقور من مؤيدي إسرائيل في العاصمة الأمريكية، وهم يتحركون على جبهات عديدة لإيجاد المزيد من التعقيدات في إطار العلاقات الأمريكية ـ العربية المتوترة بالفعل. تعد مصر هدف جانب كبير من هذه الجهود، فهي ينظر إليها باعتبارها الحليف العربي الرئيسي للولايات المتحدة، وقد نظر إليها المتعاطفون مع إسرائيل المتشددون في مواقفهم منذ وقت طويل على أنها أعظم تحدٍ يواجههم. وفي المؤتمر الذي عقدته خلال الأسبوع الماضي منظمة «إيباك» وهي مجموعة ضغط مؤيدة لإسرائيل وفي مؤتمر صحفي عُقد مؤخراً برعاية منظمة أمريكية يهودية بارزة وحضره العديد من الأعضاء البارزين في الكونجرس طرح عدد من التحديات على أكثر دول العالم العربي سكاناً، حيث اتهمت مصر بما يلي: ـ تحريض عرفات على رفض السلام مع إسرائيل والسير في طريق المواجهة العنيفة. ـ عدم التحرك لمواجهة العنف لدى اندلاعه. ـ نشر معاداة السامية في الصحافة المصرية. ـ انتهاك المعاهدة التي وقعها المصريون مع إسرائيل، وذلك بسحب السفير المصري لدى الدولة اليهودية. وكنتيجة لهذه المزاعم، فإن العديد من أعضاء الكونجرس أعلنوا أنهم على استعداد لمعارضة طلب مصر أن تقوم الولايات المتحدة بتحويل بعض المساعدة الاقتصادية التي تقدمها لها الولايات المتحدة إلى برنامج المساعدة العسكرية الأمريكية لها، بل أشار هؤلاء الأعضاء إلى أنهم سوف يدعون إلى تقليل المساعدة العسكرية الأمريكية لمصر. ولا ينبغي الاعتقاد أن مصر ليس لها من يدافع عنها في كل من الكونجرس والإدارة الأمريكيين، ولكن حتى مع وجود هذه المساندة فإن مصر سيتعين عليها خوض غمار معركة على الأشهر القليلة المقبلة والمساندة من إدارة بوش لن تأتي من دون ثمن تدفعه. ولم تخف الإدارة الأمريكية رغبتها في أن تشهد تأييداً عربياً أكبر لسياستها «الجديدة» تجاه العراق والتي لم يكشف النقاب عنها بعد. ومن المثير للحيرة بالنسبة لبعض المحللين الاختصاصيين في شئون الشرق الأوسط أن الإدارة الأمريكية ترغب في إعادة بناء تحالفها مع العرب لاحتواء العراق، بينما تشدد الولايات المتحدة بإصرار على سياسة «ارفعوا الأيدي!» فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي المتواصل. ومثل هذا الموقف يوجد عدم ارتياح حقيقيا بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة من العرب الذين يرغبون في مواصلة تقوية علاقاتهم الثنائية مع الولايات المتحدة، ولكنهم غير مستعدين للقيام بذلك على حساب مصالحهم القومية. ولإضافة المزيد من الضغط على الرئيس المصري، فإن بوش أوضح خلال الأسبوع الماضي عزمه الضغط على الرئيس مبارك «لإقناع عرفات بالاعتراض على العنف بلغة يمكن أن يفهمها الفلسطينيون» وينبغي ألا يكون هناك شك في أن هذه الكلمات الصادرة عن الرئيس بوش لن تؤدي إلا إلى تشجيع أعضاء الكونجرس الأمريكي على المضي في الضغط بمزيد من القوة على الرئيس مبارك. وفي محاولة لتخفيف جانب من هذا التوتر وإتاحة فرصة للرئيس مبارك لإعادة التأكيد على دور مصر التاريخي، فإن مجموعة من القادة الأمريكيين العرب والأمريكيين اليهود البارزين قد تعاونوا على إقامة حفل غداء يوم الأربعاء المقبل تكريماً لمبارك في واشنطن. وقد وصفت هذه الفعالية بأنها «سعي وراء السلام وترحب بالرئيس مبارك». ولكن في ضوء التوترات القائمة فإنه حتى هذا الجهد أصبح موضع خلاف مثير للجدل. وقد أعلنت المجموعة المؤلفة من 44 من القادة البارزين من الجاليتين كلتيهما أن حفل الغداء الذي يعتزمون إقامته إنما يقام لإتاحة الفرصة للرئيس مبارك لتقديم «أفكاره فيما يتعلق بمستقبل السلام في الشرق الأوسط». وكان من شأن هذا الحفل أن يكون بادرة محمودة وإشارة إيجابية للتعاون بين الجاليتين حتى في مثل هذه الأيام الصعبة، ولكن رد الفعل من جانب بعض القادة اليهود أوشك أن يكون هستيريا. قال مالكولم هونيلاين، نائب الرئيس التنفيذي لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى: «ليس هذا بالوقت المناسب لإقامة حفل غداء تكريماً للرئيس مبارك، وفي ضوء الحقيقة القائلة إنه قد يسحب سفيره لدى إسرائيل وانه يواصل ترديد خطابه المعادي للسامية والمناويء في الإعلام المصري، فإن أي لقاء لا يستخدم لإيصال الشعور بخطورة هذه اللحظة وتصرفات مصر هو لقاء يفضي إلى نتائج عكسية». وقد انضم إليه ابراهام فوكسمان الذي أشار إلى أن «هذه الدعوة تنص على أن المقصود بها تكريمه والاستماع إلى خطابه، فليفعل ذلك في القاهرة، ولست أحسب أننا نريد ذلك هنا في أمريكا». ومن المهم ملاحظة أنه في مواجهة مثل هذا الضغط فإن العديد من المضيفين الأمريكيين اليهود لهذه الفعالية يظلون ملتزمين بمشاركتهم فيها. وقد قال الحاخام إريك يوفي، أحد مضيفي هذه الفعالية، ورئيس اتحاد التجمعات الأمريكية العبرية (الذي يعد أكبر محرك يهودي للنشاط في الولايات المتحدة): «إن مبارك هو رئيس أكبر وأهم وأقوى دولة عربية، وهذه الدولة تربطها علاقات دبلوماسية بإسرائيل، ومن الجلي أنه يحتل مرتبة بارزة في الانطلاق إلى الأمام على الجبهة السياسية. وفي ضوء ذلك فإن عدم اصغاء القادة الأمريكيين اليهود لما يريد أن يقوله يبدو لي أمراً عبثياً إلى حد ما». ومن المهم ملاحظة أنه لأسباب مختلفة تماماً فإن بعض المضيفين الأمريكيين العرب لهذه الفعالية يتعرضون للضغط بدورهم، فبينما ليس هناك تردد في تكريم الرئيس المصري وتأييد دور مصر في الشرق الأوسط، فإن بعض أبناء الجالية لا يسعدهم أي جهد أمريكي عربي ـ أمريكي يهودي مشترك في هذه الوقت. وفي مواجهة هذا كله، فإن مما يؤثر في النفس أن تظل هذه الفعالية تحظى بالتأكيد القوي من جانب مضيفيها ومنظميها، الذين يواصلون إدراك أهمية دور مصر والحاجة إلى الحوار وأهمية السعي وراء حسم سلمي للصراع الرهيب هذا. وإذا كان لابد من الإشارة إلى جانب سلبي مرير، فإنني قد أختم مقالي هذا بالإشارة إلى أنه على الرغم من الحقيقة القائلة إن مياه واشنطن حافلة بأمواج المتاعب بسبب الموقف الراهن، فإنها ما كان يتعين أن تكون حافلة بالأمواج على هذا النحو لو أن بعض الخطوات قد اتخذت في وقت سابق قبل زيارة مبارك لواشنطن. إن أكبر مشكلة يواجهها العرب اليوم هي عدم أخذهم مأخذ الجد الحاجة الى القيام بالعمل السياسي في الولايات المتحدة، فالحملة المناوئة لمصر التي نشهدها اليوم ليست بالأمر الجديد، وإنما هي تعود إلى سنوات عديدة مضت، وكل ما هنالك أنه تم تكثيفها في الأشهر الأخيرة، ولكن طوال كل هذا الوقت لم يكن هناك رد فعل متماسك عليها. ومنذ بدأت الانتفاضة الراهنة، دفعت إسرائيل بموفديها إلى أن يجوبوا الولايات من أقصاها إلى أدناها لطرح قضيتها ضد الفلسطينيين، ولم يكتفوا باللقاءات الخاصة في واشنطن وانما ألقوا كلماتهم أمام منتديات السياسة العامة ومجالس الإدارات في المدن الأمريكية صغيرها وكبيرها على السواء، وأنفقواً وقتاً طويلاً في إطلاع مؤيديهم بانتظام على مجريات الأمور. وعندما تم انتخاب أرييل شارن رئيساً لوزراء إسرائيل، بعثت تل أبيب في التو بموفدين على مستوى رفيع إلى الولايات المتحدة لا للقاء أعضاء الإدارة الأمريكية الجديدة فحسب، وإنما للحديث أمام المنتديات العامة على امتداد الولايات المتحدة للمساعدة في تشكيل الخطاب العام بفعل وجهة نظرهم حيال الصراع الدائم حالياً. لقد كانوا يعلمون أن هناك فراغاً في السجال الأمريكي، وقد تحركوا لملء هذا الفراغ بأفكارهم، وخلال هذا الوقت كله لم تقم دولة عربية بأي شيء يمكن أن يوضع موضع المقارنة مع هذا الجهد، لقد كانت هناك لقاءات خاصة في واشنطن، ولكن ما من جهود عامة بذلت لصياغة الأفكار وللتأثير في الخطاب العام. إن القانون الأساسي للحياة السياسية هو أنه عندما يحارب أي طرف بعينه فإنه ينتصر، ولا ينبغي أن يقع على كاهل الرئيس مبارك القدوم إلى واشنطن وأن يرغم على مواجهة بعض أعضاء الكونجرس المعادين وسجالاً عاماً صاغه جانب واحد فحسب. وقد كان ينبغي أن تسبق زيارته لواشنطن، شأن زيارة شارون، زيارات يقوم بها مبعوثون مصريون بمقدورهم مواجهة التحدي المتمثل في الرد على الهجمات الموجهة لمصر وطرح بعض التحديات من جانبهم. ولأن هذا لم يحدث فإن الرئيس المصري سيجبر على إمضاء جانب من وقته في الرد على المنتقدين، وذلك من شأنه بالتأكيد أن يشوشه ويبعده عن رسالته الإيجابية. ولا شك في أنه سيبذل جهداً طيباً. وعلى الرغم من الهجمات على مصر فإنها ورئيسها سيظلان موضع ترحيب من الرأي العام الأمريكي. وأعداء مصر لم ينجحوا في أن يقلصوا من هذا التأييد، ولكنهم تركوا بصمة سلبية في واشنطن ولدى بعض صنّاع السياسة الأمريكيين. إن بمقدور الرئيس مبارك الرد على هؤلاء المنتقدين، ولكن مصر يمكنها القيام بدور أكثر قوة في الولايات المتحدة، غير أنه لإنجاز ذلك لابد لمصر من أن تطوّر موقفاً عاماً نشطاً وألا تسمح لأعدائها بانتزاع زمام المبادرة بالهجوم عليها. ? رئيس المعهد الأمريكي العربي