دائما لابد من نهاية، لاشيء يمكنه ان يستمر على ما هو عليه الى الابد، فالخلود ليس من سمة الأحياء والثبات لا يقود الى التغيير، تماما كما قال الشاعر: اني رأيت وقوف الماء يفسده. وعليه فالمجابهات التي تخوضها وزارة الصحة تحديداً هذه الايام تصب في مسار التغيير المطلوب والمطلوب بشدة ذلك أن الملف الصحي من الملفات التي طال أمد انتظار الافراج عن ثوابتها التي صار أمر تغييرها ضروريا وصحيا لاجل صحة الناس والمجتمع. ودون أن ندخل كثيراً في المناطق الحساسة. دعونا فقط نتجادل أو نتناقش بمنطق وواقعية، فالكل اليوم حينما تحدثه يدعوك بهدوء الى ضبط أعصابك قائلا: خليك واقعي، أو خليك منطقي!! ونحن نريد الكل ان يكون منطقياً في تعاطيه مع التغييرات التي اعلنت عنها وزارة الصحة واختلف فيها الناس بين مؤيد ومعارض، وكل فريق يقدم ادلته على صحة تأييده أو على منطقية رفضه لهذه التغييرات. وفي الحقيقة، لقد كنت خارج الدولة عندما نشرت اخبار التغييرات الصحية، والى هناك جاءتني الاخبار والتحليلات التي صرت أتابعها بحرص، خاصة وانني كنت في رحلة علاج، أي في اطار المناخ الصحي، ومن هنا كنت احاول ان اتفهم دوافع أهل الصحة في قراراتهم الأخيرة؟ وبيني وبين نفسي قلت: نرجو أن تصب هذه القرارات في صالح الوضع الصحي في المجتمع، وان يرتفع بمستوى الخدمة التي تعاني من انتقاد الناس وتدفع بعضهم دفعاً اضطراريا نحو العيادات والمستشفيات الخاصة أو السفر للخارج. ان أي خدمة سواء كانت تعليمية أو صحية أو ترفيهية أو امنية أو.. الخ تؤسس وتقر وترصد لها الميزانيات والموارد البشرية والتقنية من أجل افراد المجتمع والمقصود بهؤلاء أولاً ابناء المجتمع والمنتمين له بحكم القانون أو التجنس، ومن ثم ينتقل حق التمتع بهذه الخدمات الى الأخوة القادمين من كل الدنيا والذين يقيمون على أرض الدولة كموظفين أو عمال أو سياح أو زوار أو تجار أو .. الخ، فهؤلاء الذين يحملون صفة مقيمين يحق لهم قانونيا وانسانيا الحصول على هذه الخدمات، ولكن بشروط تتحدد وفق طبيعة اقامتهم وعلاقتهم بنسيج المجتمع، وفي هذا يختلفون في درجة ومستوى الحق عن المواطن بطبيعة الحال، وهذا ما جرى عليه العرف في كل مجتمعات العالم. اذن فحين تقرر وزارة الصحة زيادة رسوم الخدمات الطبية والعلاجية على شريحة غير المواطنين، وبالتأكيد فهذه الزيادة مدروسة ومقننة، فانها بلا شك قد لجأت الى ذلك بعد سنوات امتدت الى أكثر من ثلاثين عاما كانت خلالها مرافق الخدمات جميعها تقدم خدماتها مجاناً لفترة طويلة وبأسعار رمزية منذ فترة من الزمن، وعليه فإن ما تعاني منه دول العالم كافة من لجوء اجباري نحو ضغط النفقات والتقشف و.. الخ هو بالتأكيد سبب من اسباب اللجوء الى القرار الوزاري الصحي الاخير، فحالة الرخاء التي اعقبت طفرة اسعار البترول في حقبة السبعينيات والثمانينيات (35 ـ 40) دولاراً للبرميل قد انتهت والزيادة السكانية في اضطراد، وسعر الخدمات والخامات في تزايد وعليه فالمشاركة في تحمل الاعباء (جزء منها أو كلها) أمر واقعي ومنطقي جداً. اما ما يقال بأن هؤلاء الذين جاء القرار في غير صالحهم سيضطرون الى الطب الشعبي واهمال صحتهم لتنتشر بينهم الامراض المعدية، فاعتقد أنه كلام بعيد عن المنطق، ذلك ان التسيب السابق في تقديم الخدمة وصرف الادوية والدخول الى اقسام المستشفيات الداخلية فترة من الزمن قاد الى ممارسات سلبية فادحة، ومكلفة من قبل شرائح كثيرة غير مواطنة رأيناها باعيننا وهم يقذفون بكميات الادوية في سلال المهملات بمجرد صرفها من الصيدلية بحجة أنها أدوية لا فائدة منها. كما ان العلاقات الشخصية بين الاطباء والمرضى من جنسيات معينة قادت ايضاً الى صرف ادوية باهظة أو ادخال المرضى الى الاقسام الداخلية واجراء انواع مكلفة من الاشعة أو الجراحات المختلفة بحجة الضرورة لتجنيب هؤلاء المرضى دفع قيمة تلك الاشعة أو تجنيبهم الانتظار الطويل حسب المواعيد المطولة التي تعطى للمريض. أعتقد بأن القرار قد يدفع بالمؤسسات والدوائر وأرباب العمل للتفكير جيداً في قضية الضمان الصحي للموظفين، فهذا حق من حقوقهم المكفولة والمتعامل بها في كل دول العالم، كما انه سيخفف من أمر الطوابير وكلفة الادوية والعلاجات والمواعيد الطويلة لمواطني المجتمع الذين لم تطأ اقدامهم ارض المستشفيات الحكومية بسبب هذه الاشكاليات مفضلين الدفع الباهظ للعيادات والمستشفيات الخاصة تاركين الخدمة الصحية المكفولة لهم مجاناً للآخرين، ما يقود لتدني مستواها واهمال التفكير في تطويرها. لنكن واقعيين فقط.. وكفى!