وهكذا انفضّ سامر المجتمعين في عمّان وتمخّض اجتماعهم عن البيان الذي انتظرته الشعوب على أحرِّ من الجمر، فصدر لتتلقفه وسائل الإعلام، وتشبعه قراءة وتمحيصاً وتحليلاً، إذْ ما كاد «البيان» يصدر حتى أمطرتنا فضائياتنا العربية بالتحليلات عبر محللين تهاطلوا علينا من شتى أصقاع المعمورة، فُصِّل بعضهم وفق مقاسات مطلوبة حتى لم نعد نفرِّق بين محلل سياسي، ومحلول طبي نتجرعه على مضض كي نشفى من العمى وتزول عن أعيننا الغشاوة التي ضربت عليها ردحاً من الزمن، فانخدعنا بالبعض وانخدعنا للبعض حتى إذا ما جاء وقت الشدة انكشفت الأقنعة وظهرت الوجوه على حقيقتها وعرفنا عدونا من صديقنا. وبعد أن استبعدت نفسي من قائمة المحللين السياسيين التي لم تخْلُ ممن خاب وعاب ولليورو والدولار استطاب، تفكرت في حالي فوجدتني خارج كل القوائم، وعندها قررت أن أضع نفسي في خانة المواطنين الصالحين الذين حرموا أنفسهم يومين متتاليين من لذة الاستمتاع بساعة القيلولة وتفرغوا مستنفرين لمتابعة أخبار القمة وخطب القادة افتتاحاً وختاماً وما بينهما. ومن هذا المنطلق أعطيت نفسي الحق في تسجيل بعض الخواطر على شكل ملاحظات أرجو أن أتمكن من الاتيان عليها جميعاً، وفي هذا احتراز سوف نكشف عنه في آخر الاستراحة. أولى هذه الملاحظات تحية نوجهها لقادتنا الميامين على ما أثبتوه من جلد وأناة وصبر وهم يستمعون إلى تلك الخطب المطولة المستنسخة من بعضها، وقد كنا نحسب أنفسنا نحن الشعوب فقط من يتمتع بهذه المَلَكَة ويملك هذا الجلد على طريقة «مرغم أخاك لا بطل» حتى كرّت الخطب تباعاً تعيد العاشرة منها ما احتوته التسع الأُول، والجميع مصغٍ لا يبدي تململاً ولا امتعاضاً، حتى جاء دور الرئيس اليمني علي عبدالله صالح ــ لا فُضَّ فوه ــ فشفى أنفسنا مما تجد وعبّر عما احتبس في الصدور، وتمنّت الأنفس ان تنطق به الألسن، فكان في منتهى الحصافة قارئًا جيداً لأفكارنا نحن الشعوب المغلوبة على أمرها، العاجزة عن الافصاح عما في مكنون صدورها، فقال ــ وما نطق إلا حقا ــ انه قد وزع خطبة مكتوبة تتطابق تماماً مع الخطبة الأولى التي ألقاها أول قائد عربي، وتتحدث عن القضية الفلسطينية ورفع الحصار عن الشعب العراقي وبقية المسائل التي استمعنا إليها مرة واثنتين وعشراً دون أن يأتي أحد بجديد فيها، ثم دعا إلى اتخاذ خطوات عملية ووضع الخطب جانباً. وكان من تداعيات هذا المشهد استحضار قمم الأمم والشعوب الأخرى، حيث لا استقبالات مظهرية يصطف فيها حرس الشرف ويعزف فيها السلام الوطني ولا خطب عصماء مكررة، بل قرارات عملية تجد طريقها للتنفيذ دون لجان متابعة ولا جعجعة نسمعها ولا نرى طحناً. أما الملاحظة الثانية فهي عن ذلك الارتباك الذي صاحب قراءة القرارات وبيان عمّان، والفقرات التي كانت تضاف أثناء تلاوة الأمين العام للجامعة العربية للقرارات، وكأن هذه القرارات لم تأخذ حظها من الدراسة والمراجعة والاتفاق عند الصياغة في ظاهرة نحسبها تحدث للمرة الأولى في مؤتمر قمة اعتيادية أخذ التحضير له وقته الكافي كما يفترض. أما الملاحظة الثالثة فهي ملاحظة سرية ليست للنشر لكونها تتعلق بطروحات سرية هي الأخرى لم تذع على الهواء مباشرة، وإنما تسربت لأجهزة الإعلام من خلال أعضاء بعض الوفد، ولذلك يصبح التعبير عنها إفشاءً وكشفاً لسرية تلك المقترحات الغامضة التي تشكلت لها في اللحظات الأخيرة لجنة، وكان تشكيل هذه اللجنة أيضا من الفقرات التي فوجئ بها الأمين العام وأربكته أثناء تلاوته للقرارات على الهواء مباشرة، وفي ذلك حكمة ليس شرطاً أن تدركها عقولنا القاصرة التي ربما صدمت بتلك المقترحات التي لم تعد سرية، وإن كانت مازالت غامضة. أما الملاحظة الرابعة فمكانها المؤتمر الصحفي الذي أعلن عن عقده بعد انتهاء الجلسة الختامية مباشرة، وكان المتحدثان فيه وزير الخارجية الأردني والأمين العام للجامعة العربية الذي بدا عصبياً حاد المزاج مع انتهاء ولايته فتحدث عن رأيه ـ الذي لم يسأله عنه أحد ــ في قرارات القمة، واعتبرها ناجحة من وجهة نظره، ولأن الصحفيين وممثلي أجهزة الإعلام المختلفة فهموا ــ كما قيل لهم ــ أنهم في مؤتمر صحفي فقد انبرى واحد منهم لتوجيه سؤال انطلاقاً من مفهوم المؤتمرات الصحفية ليفاجأ بالأمين العام ينفجر فيه غاضباً زاجراً فإذا بجميع من في القاعة ــ وقد أحسوا بتوتر الجو ــ يتدافعون وتعلوا أصواتهم ويختلط الحابل بالنابل ويتحول المكان إلى فوضى صاخبة لينتهي المؤتمر الصحفي قبل أن يبدأ في مشهد معبر ولا أبلغ منه تصويراً لأحوال الأمة. وأعود في الملاحظة الخامسة لأحيي الرئيس اليمني مرة أخرى وهو يتحدث في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد الختام حين سأله أحد الصحفيين عن الجيش الجرار المكون من سبعة ملايين مقاتل أشوس كما ورد ذكره في احدى الخطب العصماء، المستعد للإجهاز على اسرائيل بإشارة واحدة، فقد كان جواب الرئيس اليمني في محله حين طلب أن نكون واقعيين، وأن يكون حديثنا معقولاً قابلاً للتنفيذ، وتساءل عن الدولة العربية المستعدة لفتح حدودها مع اسرائيل كي يعبر هذا الجيش العرمرم الذي ترتعد منه فرائص اليهود، داعياً إلى دعم المقاتلين وأبطال الانتفاضة في الداخل وترك الأفكار الخيالية جانبا. يتساءل أحد الزملاء عن جدوى هذا الحشد الهائل من رجال الإعلام طالما ان الأمر لا يخرج عن جلسات وخطب منقولة على الهواء مباشرة ومؤتمرات صحفية لا يقال فيها أكثر مما يقال في القرارات المعلنة الصادرة عن المؤتمر والبيان الذي يطلق عليه عادة اسم العاصمة التي يصدر فيها، فأجدها فرصة لالتقاط الفكرة وأسجلها ملاحظة سادسة في محلها على مسئولية الزميل، وأعلم أنها ستغضب كثيراً من الأخوة العاملين في أجهزة الإعلام المختلفة لكون هذه المناسبات مجالاً للتنافس بين الزملاء على حضورها لما فيها من فوائد تتجاوز الفوائد الخمس التي تحدث عنها شاعرنا العربي في البيت الشهير عن الأسفار، ليس من بينها بالطبع تغطية المؤتمر ولا كشف الغطاء عنه، ومن شارك في مناسبة كهذه أدرى بطبيعة الحال بتلك الفوائد. أسجل هذه الملاحظة على لسان الزميل الذي جرب هذا النوع من المهمات وأبرئ نفسي من تبعات هذه الملاحظة. وتسألني أيها القارئ العزيز أخيراً إن كنت قد قلت كلاماً مفيداً، وعن الجديد الذي أتيت به من خلال هذه الملاحظات. وأجيبك بمنتهى الأمانة انني قد حاولت قدر الامكان أن ألف وأدور حول الموضوع ملمحاً غير مصرِّح، وقد كنت أفضِّل أن ألجأ للتصريح عوض التلميح لولا ان هناك زميلاً عزيزاً هو الآخر مواطن صالح يؤدي عمله بأمانة تامة ويعرف واجبات وظيفته جيداً يستمد سلطاته من رئيس التحرير مباشرة ويتحصن دائماً بتعليماته أتمثله واقفاً لي بالمرصاد للانقضاض على ما تتمنى أنت أن أقوله، وما أتحرج أو أتهيب أنا من قوله، ولذلك فإنني أودع الملاحظات التي سجلتها ولم أجرؤ على نشرها في عهدة حارس البوابة الأمين، فلا مانع أن تكون هذه هي الملاحظة الأخيرة إذا كتب لهذه الملاحظات أن ترى النور وتأخذ طريقها للنشر، وقد حدث فحمداً لله وشكراً على ما أفاء به علينا من جزيل النعم.